فقه الثورة ح (1): مفهوم الخلافة الراشدة ومبادئها.. مع د.عبدالكريم بكار


الأربعاء ٢٦ / نيسان / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1757



فقه الثورة
الخلافة الإسلامية
الدكتور عبد الكريم بكار
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نرحب بكم أعزائي المشاهدين، في حلقة جديدة من برنامج: (فقه الثورة).
حديثنا اليوم حديث الساعة، بل حديث الأمة إنه موضوع: (الخلافة الإسلامية).
ويسرنا أن نستضيف لمناقشة هذا الموضوع، فضيلة الدكتور: (عبد الكريم بكار)، المفكر الإسلامي المعروف.
مرحباً بكم دكتور.
د.بكار: حياكم الله يا مرحبا.
حذيفة: دكتور قبل أن نبدأ اسمح لنا بمشاهدة هذا الاستطلاع للرأي ثم نبدأ بالحوار حول هذا الموضوع.
س- ما رأيكم بمن ينادي اليوم بعودة الخلافة الإسلامية؟
ج-موضوع الخلافة الإسلامية هو موضوع كبير وشائك، ونحن لسنا في موضوع الخلافة الإسلامية؛ ﻷن البلاد الإسلامية ليست موحدة، وليس لدينا القوة والمنعة من أجل حماية المسلمين في بلاد العالم، ولكن تطبيقها يكون بتطبيق الشريعة الإسلامية وليس بالاسم فقط.
س-  ما رأيكم بمن ينادي اليوم بعودة الخلافة الإسلامية؟
هذا شيء جيد ولكن الخلافة تعني الأمة الإسلامية كلها، وإنما يدعى الآن إليها في قطر، والمقصود في المآل تطبيق الشريعة.
س- هل يكفي إقامة دولة وطنية تطبق شرع الله عز وجل أم لا بد من إقامة الخلافة؟
هذا طريق لتطبيق الخلافة عندما تتم الأقطار تطبيق الشريعة.
 
س- ما رأيكم بمن ينادي اليوم بعودة الخلافة الإسلامية؟
عودة الخلافة الإسلامية أو مسألة الخلافة الإسلامية ربما في المستقبل ستكون واقعا لا بد منه أن نتعامل معه.
س- هل يكفي إقامة دولة وطنية تطبق شرع الله عز وجل أم لابد من إقامة الخلافة؟
إقامة الخلافة هو الأمل المنشود للمليار ونصف.
س- هل تفضل أن تعمل ضمن جماعة أم لوحدك؟ ولماذا؟
ضمن جماعة يد الله مع الجماعة وأمتي لا تجتمع على خطأ.
س- ما رأيك بالرجل الذكي الذي يعمل في أي مجال يعرض عليه؟
لا يجوز. يجب أن يكون عندك ثوابت تؤمن بها وتعمل من أجلها.
س- ما رأيكم بمن ينادي اليوم بعودة الخلافة الإسلامية؟
نحن في زماننا لا يجب أن نخلط الدين في السياسة، فالدين له وضع والسياسة لها وضع.
س- هل يكفي إقامة دولة وطنية تطبق شرع الله عز وجل أم لا بد من إقامة الخلافة؟
طبعاً دولة وطنية.
حذيفة: فضيلة الدكتور ما رأيكم بهذا الاستطلاع؟
د.بكار: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وشكراً ﻹتاحة هذه الفرصة.
بالنسبة للاستطلاع أنا سُررت منه، لأنَّه يدل على وعيٍ جديدٍ لدى النَّاس، لأنَّهم أصبحوا ينظرون إلى تعقيدات المشكلة.
عندما نقول: وحدة على مستوى العالم الإسلاميّ، أو خِلافة للعالم الإسلاميّ، أو حُكم للعالم الإسلاميّ، النَّاس يعلمون أنَّ هذه أمنيةٌ لكلِّ مسلمٍ أن تتوحد أمَّة الإسلام، وتصبح قوَّةً عالميةً كبرى.
لكنَّ هذا الزمان ليس زمان الامبراطوريَّات حقيقةً، هذا زمان الدولة القطريّة، فأمريكا مثلا أرادت في أماكن كثيرة من العالم أن تبني ما يشبه الإمبراطوريّة بالنفوذ والتَّحكم، وفشلت في ذلك كلِّه؛ ﻷنَّ هذا الزمان ليس زمان الدَّولة الإمبراطوريّة، أو الدَّولة القارَّة، أو دولة القارات، هذا ليس زمانه، وأكبر دليل على ذلك الاتحاد الأوربيّ، حتى وصل إلى هذه الدَّرجة من التنسيق بين دوله، والتي لا تُعبِّر عن الاندماج الكامل، خاض مفاوضاتٍ استمرت قريباً من ستين سنة، ومع هذا البريطانيّون –مثلاً- لم يدخلوا منطقة اليورو، بل احتفظوا بالجنيه الاسترليني.
فقضية توحيد المسلمين ضمن دولةٍ واحدةٍ هذا بمنتهى الصُّعوبة، ولكن هذا يدفع إلى التَّنسيق، من أجل أن يكون هناك اتِّحادٌ للمعلمين المسلمين، واتِّحاد للأطباء، واتِّحاد للصناعيّين، واتحاد للتجار..، ويدفع إلى إحياءٍ للمؤسسات الإسلامية، مثل: منظمة التَّعاون الإسلاميّ وغيرها، إحياءً لها، وتفعيلاً لدورها، من حيث الأدوار والمواقف والسياسات، بحيث يصبح بينها نوع من التَّوحّد والتنسيق.
حذيفة: يعني التَّدرج في التَّوحيد؟
د.بكار: أكيد ممكن هذا، ﻷنَّ هذا يجب أنْ يتمَّ بناءً على نوعٍ من التناسب بين الشعوب الإسلاميَّة.
لما أرادت ألمانيا الغربيَّة ضمَّ ألمانيا الشرقيَّة إليها، أو استعادة ألمانيا الشرقية بعد انهدام جدار برلين. أنفقت ألمانيا (مئتي مليار مارك)، من أجل تأهيل ألمانيا الشرقيّة على المستوى الاقتصادي والتعليمي، وتأهيل النَّاس حتى يخلقوا نوعاً من التشابه بين الألمان الشرقيّين والغربيّين، حتى يستطيعوا أن يعيشوا في دولةٍ واحدةٍ، فهذا ليس أمراً سهلاً بل بمنتهى الصعوبة، يحتاج إلى مالٍ ووقتٍ ورغبةٍ قبل ذلك، فتوحيد المسلمين سواءٌ أكان على المستوى السّياسي أو الاقتصادي أو حتى الثقافي يحتاج إلى الجهد، وقبل ذلك إلى الرّغبة والعزيمة، وهو على كلِّ حالٍ أمنيّة للمسلمين، لكنَّ أصعب شيءٍ فيه هو الجانب السّياسيّ، ولذلك المفروض أن يكون آخر شيءٍ، ﻷنَّه أصعب شيء.
حذيفة: ونحن نطالب به أوَّل شيء!
د.بكار: ونحن نطالب به أول شيء!
حذيفة: دكتور هل يمكن أن نعتبر أن الخلافة الرّاشدة كانت مدّةً زمنيّةً وانتهت ولا يمكن أن تعود؟
د.بكار: الخلافة الرَّاشدة هي مبادئ قبل أن تكون أسماء، ولذلك أهل العلم قالوا: إن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله- هو الخليفة الراشدي السادس، لماذا؟ ﻷن النبي ☺ لم ينصّ على عدد محدد من الخلفاء، فيمكن أن يكون من هنا إلى قيام الساعة مئةُ واحدٍ، يكتب الله لهم صفات الخلفاء، ويُختارون ويَسعون إلى تحكيم الشّريعة، يُختارون من قبل النَّاس وتتحقق فيهم وفي دولتهم أركان الخلافة، لأنه لا يوجد عددٌ محددٌ على هذا.
حذيفة: هل هذا يعني أنّ الأمر غير مقطوعٍ إن شاء الله؟
د.بكار: طبعاً، لكن في المبدأ الخلافة هي: مبادئٌ وقيمٌ وأُسسٌ وعلاقاتٌ؛ وليست أسماء فقط، يتسمَّى به شخص باسم الخلافة وليس له من الخلافة شيء، وقد يوجد حاكم لا يُسمِّي نفسه خليفةً، ولكنَّه يُحقق كلَّ مبادئ الخلافة في دولته، ويكون -إن شاء الله U- من الراشدين، أو من الخلفاء الراشدين.
حذيفة: هل تعني أننا غير مخاطبين بلفظ الخلافة؟
د.بكار: أكيد، دائماً المقصود هو الجوهر، ولذلك أنا أقول: المطلوب للأمَّة الإسلاميَّة هو حكمٌ رشيدٌ-دعونا من الأسماء- المطلوب حكمٌ رشيدٌ، يخضع فيه الجميع للمساءلة، يُحقق مبادئ الأمة وتطلعاتِ الشعوب في أن تعيش في ظلِّ حُكم الله U ودين الله، ويُحقق لها مصالحها ومنافعها، ويجعلها تقوم بدورٍ رياديٍ يليق بها بين الأمم، بقطع النظر عن تسمية هذا الإنسان ماذا سيكون اسمه؟ القضية ليست أسماء، القضية قضية المضمون والجوهر.
حذيفة: ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في الخليفة، أو الحاكم المسلم الرَّاشد؟
د.بكار: هذه صفاتٌ كثيرةٌ تحدث عنها العلماء، مثل: العلم والأمانة وسلامة الحواس والكفاءة.. لكن أريد أن أقول: هذه الصفات كلُّها اجتهادية، يعني ليس فيها نصوص سوى النصوص العامة التي وردت فيما نسمِّيه: الحكم الرّشيد.
لكن أعتقد أنَّ الحاكم حتى يكون حكمه راشداً ورشيداً، يجب أن تتوفر فيه صفتان أساسيتان:
الصفة الأولى: الكفاءة أن يكون كفؤاً في إدارة الدولة.
والصفة الثانية: أن يكون نزيها، أي: لا يوجد عليه حكم قضائي بارتكاب جريمةٍ من الجرائم، وسيرته الماليَّة سيرة عطرة، معروف عنه النَّزاهة والاستقامة.
هاتان الصفتان، هما أهم صفتين لمن يُطْلَبُ لأن يَحكم النّاس حُكماً إسلاميّاً.
على أنَّ المسألة الآن اختلفت، فلم يعد الحكم يتعلق بشخصٍ، فعندما نأتي إلى دولة كالهند والصين عدد سكانها (1000 مليون)، فألف مليون لا يمكن أن يتعلق مصيرهم بشخص مستقيم أو غير مستقيم، بل يتعلق بنظام الحكم وطبيعة هذا النظام.
            -هل يسمح بمعاقبة كل مجرمٍ بقطع النظر عن مكانته؟
-هل يسمح بالمُساءلة؟ إذا رأى الناس أن هذا النظام ليس كفؤا، هل يستطيعون التخلص منه، أو من الحكومة الحاكمة في ظلِّ هذا النّظام من دون إراقة دماء؟ أم لابدَّ من إراقة الدماء-كما هو حاصل عندنا الآن في سوريا-؟
النّظام الرَّاشد يستطيع النّاس فيه التّخلص من الحكومة السِّيئة من دون أن يريقوا دماءهم، فيكون هناك تصويت أو سحب ثقة، يذهب أناس ويأتي آخرون، لكنَّ النّظام المتكبر المتجبر الطّاغوتي هو الّذي يُفني البلد، ولا يستطيع الشعب إزاحته من مكانه.
فالتركيز على نظام الحكم؛ وليس على شخص الحاكم، فقد اختلفت بُنية الدَّولة عمَّا كانت عليه سابقاً.
يعني الآن في نظم الحكم الحديثة الدَّولة هي: مؤسسةٌ لتوزيع السّلطة، وتوزيع القوّة. فالقوّة ليست محصورة في شخص، وليس هناك مصلحة أن توضع كل إمكانيّات الدّولة، ومقدرات الشَّعب في يد شخص؛ إن أحسن أحسن وإن أساء تسوء، لكن توزع السُّلطات.
ولذلك نجد الآن الرئيس في يده سلطات، ومجلس الشّعب في يده سلطات، ومجلس الشّورى في يده سلطات، والمحكمة العليا في يدها سلطات، والرَّقابة والتفتيش في يدها سلطات... بعد ذلك كلُّ هذه السّلطات مقيّدة بدستور وافق عليه الناس، أو أقرَّه معظم الناس، فحتى بعد توزيع هذه السلطات، أنت لست حراً أن تستخدم هذه السلطة كيفما شئت، بل يجب أن تكون في إطار الدستور، وبعد ذلك هناك مُساءلة عن استخدام هذه السلطة، والحكومة مع ذلك التقييد كلّه لها مُدَّةٌ زمنيةٌ سنتان، أربعة، ستة.. ثم هناك انتخابات جديدة ليتولّى دفَّة القيادة أناس جُدد.
حذيفة: ما دور البيعة في اختيار الخليفة؟ ومتى وكيف تتم؟ نسمع -إن شاء الله-منكم الجواب بعد الفاصل، أعزائي المشاهدين فاصل قصير ثم نواصل فابقوا معنا.
نرحب بكم أعزائي المشاهدين، ونتابع الحوار مع فضيلة الدّكتور عبد الكريم بكّار حول موضوع الخلافة الإسلاميّة. فضيلة الدكتور قبل الفاصل كنَّا سألنا عن موضوع دور البيعة في اختيار الخليفة وكيف ومتى تتم؟
د.بكار: البيعة هي الصيغة القديمة للتعبير عن رضا الناس بما يُسمى: خليفة.
الآن بعد تنظيم الحياة العامّة، وجد الآن ما يُسمَّى: التصويت الالكتروني، يعني: من الممكن للناس أن يصوتوا من بيوتهم على الرِّضا بفلان.
حذيفة: وقضية التزوير دكتور! قد يكون أكثر من تصويت للشّخص الواحد.
د.بكار: هذا في النّظم الحديثة يوجد احتياطات له، بحيث لا يكون هناك تزوير، بالعكس الآن قلّ الفساد بنتيجة (الحوكمة الالكترونية)، وقلَّ الفساد في الدُّول نظراً لضعف تدخل الإنسان بها، الإنسان هو الذي يَفسد وليس النّظام، النّظام الالكتروني لا يوجد فيه فساد.
فالشّاهد الآن أنا أعتقد أنَّ الّذي يُعبر حقيقةً عن البيعة هو الانتخاب بأوسع صيغة ممكنة له، لماذا؟ في زمان الخلفاء الراشدين، وخاصة في زمان الخليفتين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- كان هناك نصوص، وكان هناك أهل بيعة العقبة، وأهل بدر، والأصحاب المقرّبون من النبي ☺، ورؤساء العشائر، وكان أعيان النّاس معروفين بشكل واضح، والّذين يمكنهم أن يبايعوا الخليفة، لكنَّ هذا في زماننا غير معروف؛ خاصّةً في دول مترامية الأطراف، فعندما نقول: هذا الخليفة يبايعه ألف من أعيان المجتمع، كيف سيتم اختيار هؤلاء الألف؟ ممكن أن يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب، ويصبحوا هم بدورهم برلمانا أو مجلس شورى أو مجلس شعب، بعد ذلك يختار الخليفة أو الرئيس أو الأمير..، ويمكن أن يُختاروا عن طريق الشعب بشكلٍ مباشر.
وأنا أنظر إلى صيغة الانتخاب النزيه على أنه الصِّيغة المطوَّرة للبيعة؛ لأن البيعة المقصود منها التعبير عن الرِّضا بأن يكون فلانٌ حاكماً.
لذلك عبد الرحمن بن عوف ­­­t حين أرادوا أن يعرفوا ميل النّاس إلى عثمان أم عليّ -رضي الله عنهما- ذهب وسأل النّاس؟ حتى رعاة الغنم، سأل النَّاس في البيوت؟ سأل النّاس: الخلافة الآن بين عثمان وعلي فإلى من تميلون؟ وبعد أن سأل الكثير من النَّاس جاء وقال: وجدت أكثر النّاس مع عثمان t، فهذه صيغة حقيقية تاريخية معتمدة، ونقلها متواتر إلينا، بأنَّ النَّاس هم من يختارون، ويجب أن يكون الاختيار بأوسع صيغة ممكنة، يعني إذا استطعت أن تستقرأ عبر الانتخاب آراء كلِّ النَّاس في اختيار فلان أو فلان، فلا يصح أن تستقرأ آراء نصف الشَّعب أو ثلثه أو ربعه، لماذا؟ ﻷنَّ عقد البيعة هو عقد وكالة، وأنت حين تبايع شخصاً سواء اخترته للبرلمان أو المحكمة العليا أو حتى ليكون رئيساً –مثلاً-هذه وكالة ليتصرف عنك أنت كمواطن، ليتصرف عنك في الشأن العام، من الّذي يتصرف في الشأن العام؟ في قضايا الحكم والعلاقات الدوليّة، وإعلان الحرب، وخطط التنمية، وتوظيف الموظفين... هذا كلُّه شأنٌ عامٌ يتولّاه فلان وفلان وفلان.. بموجب توكيل، وهذا الشّعب الذي منح الوكالة باستطاعته أن يسحبها متى شاء حسب الاتفاق.
بعد الثورة الفرنسيّة التي استمرت سبع سنوات -إن شاء الله ثورتنا تنجح قبل أن يمضي سبع سنوات بإذن الله عز وجل-حتى استقرت فرنسا أخذ الموضوع بحدود ثمانين سنة، وخلالها تم اختيار بحدود سبعين حكومة، يعني الحكومة تجلس سنةً حتى يستقر الأمر، فالشاهد إنَّ الشّعب الّذي يمنح التّوكيل يستطيع سحبه، وهذه أفضل وسيلة لمكافحة الفساد، ولضمان استقامة الحكومة، وأنّها تخدم مصالح النّاس، فتبقى تحت التهديد دوماً مهددة بسحب الثقة، أمّا إذا أعطيتها الأمان، فقلت: لها أنت في أمان من المحاسبة، فهذه أكثر وسيلةٍ تُعين على فساد الدولة؟ ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲞ ﲟ  ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﱠ [العلق: ٦ – ٧]، عندما يستغني عن المساءلة، ويعرف أنَّه لا يوجد أحدٌ يُسائله؛ هذا هو الذي يُساعد على الطغيان وعلى الفساد وعلى تجاوز دوره وعلى الظلم.
حذيفة: فضيلة الدكتور هناك من يقول: إن الخلافة الرَّاشدة كانت تتويجٌ لمجتمع راشد، والآن أنتم تستعجلون تريدون خلافةً راشدةً وغضضتم الطَّرف عن المجتمع الرَّاشد، فالمطلوب الآن مجتمع راشد، والمجتمع الراشد تنبثق عنه خلافةٌ راشدةٌ. فما رأيكم بهذا؟
د.بكار: الذي تبين أنَّه في ظلِّ الفساد والاستبداد لا يستقيم شيءٌ، الدّولة المستبدّة تشوِّه الفكر والأخلاق والنُّظم..، بل تُسمم الحياة العامة لصالح استمرارها في الاستبداد والحكم، وبالتالي كلُّ الأعمال الجيدة في ظلِّ الاستبداد تكون أعمالاً منقوصةً.
وأعتقد أن مجتمعاتنا لم تخل يوماً من تطبيق الشَّريعة، والالتزام بأوامر الله سبحانه، هناك أناس يصلون ويصومون ويزكون، ويوجد تربية عظيمة للأمهات العظيمات في البيوت، يوجد خير كثير، فنحن الآن لسنا في مرحلة الصفر، ولسنا مجتمعاً راشداً بالتأكيد.
 ولكن الحكم الرشيد -دعني الآن من مفهوم خلافة وكذا-الحكم الرشيد يساعد على تربية جيّدة، يساعد على تديّن جيّد، يساعد على أخلاق حميدة؛ وهذه الأخلاق الحميدة والتدين الجيد ينعكس بصورةٍ تدريجيةٍ على الدولة، كيف ينعكس على الدولة؟ ينعكس بأنه تصبح عندنا كفاءاتٌ اجتماعيةٌ لمَّا تصل إلى الحكم تحكم بكفاءةٍ ونزاهةٍ، وأيضا تنعكس على المطالب فالمجتمع المسلم يطالب بحكومة إسلاميّة متديّنة، أمّا المجتمع غير المتدين لا يهمه هذا الأمر، وبالتالي لا أعتقد أنَّه يصح تأخيرُ المطالبة بحكم رشيد حتى يصبح المجتمع راشداً، فهذا لم يحصل في التاريخ أبداً، ومهما قُلنا إنَّ المجتمع سيصبح راشداً فإنَّ رُشده سيكون منقوصاً؛ ﻷنَّ الرُّشد هو شيءٌ نسبيٌ، وبالتّالي هذا الكلام لا أرى له أيَّ وجهٍ من الصِّحة.
على النَّاس أن يبحثوا عن أهل النّزاهة وأهل الكفاءة؛ ليولّوهم أمورهم، ولا يحل لي أن أوكل في شأن عام رجلاً غير نزيه أو غير كفء لمصلحةٍ شخصيةٍ، فهذا الرَّجل –مثلاً- تاجر وأنا تاجر، فحتى ييسِّر لي أمري سأختاره؛ مع أنَّه لا يصلح لحكم النَّاس هذا فيه نوع من الغدر والخيانة للمصلحة العامة.
حذيفة: دكتور ما رأيكم بمن يقول: لا يمكن إقامة خلافة راشدة بسبب أنَّ الغرب لا يسمح لنا بذلك، فهو يريد حكوماتٍ تابعةً له تخدم مصالحه، فلا تُتعبوا أنفسكم بالمطالبة بحكم رشيد؟
د.بكار: دعنا من الخلافة الرّاشدة، الآن أنا لا أرى مصلحةً أن نقول نحن نريد خلافة راشدة، أنت طالب بحكم رشيد، فأعتقد أنَّ النَّاس سيتعاطفون معك في الغالب، فعندما تقول: أنا أريد دولة تسود فيها الكرامة، وتسود فيها الحرية، وتسود فيها الحقوق..، تكون فيها السُّلطة متداولة بين النَّاس، يكون للنَّاس فيها حقّ اختيار من يحكمونهم، يكون للناس حق مساءلة الدولة، أعتقد أنّك في هذه الحالة تُطالب بمطالبَ معظم العالم يقف معها، لكن عندما أنت تطالب بخلافة قطعاً إنَّ كثيراً لن يفهموا عليك، وكثيرين سوف يعادونك.
حذيفة: حتى الحكم الرَّشيد الغرب لن يسمح بإقامة حكم نزيه وطنيّ لا يَتبع له.
د.بكار: أنا ضد التفكير بهذه الطريقة. أنا مع قوله ﭐﭨﭐ ﱡﭐ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ  ﳅ ﱠ [آل عمران: ١٢٠]، وأنا مع قوله تعالى: ﭐﱡﭐ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔﳕ  ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ  ﱠ [آل عمران: ١٦٥]
مشكلتنا ليست في غرب ولا شرق، مشكلتنا مع أنفسنا، وهي مشكلة داخليّة نحن نتقي الله مقدار ما نستطيع، نوحِّد الكلمة، نوحد الشَّعب، نوضِّح المطالبَ التي تَخدم النّاس، وأكيد بعد ذلك نحن في صراع، الآخرون لن يُسرُّوا؛ يعني إسرائيل(1) لن تُسرَّ بوجود دولة قويَّةٍ على حدودها، تريد دولةً تابعةً عميلةً.. أكيد نحن في صراع، لكنَّ المشكلة دائماً داخليّة وليست خارجيّة، قبل أن أفكِّر في موقف الخارج يرضى أو لا يرضى، يجب أن أفكِّر هل عندي رجال يحملون المرحلة بأعبائها وصعوباتها ومشَّاقِّها بكفاءة ونزاهةٍ أم ليس عندي؟ هذا السؤال أهم عندي بكثير من أن أسأل هل روسيا أو أمريكا ستوافق على هذا؟ هذا لا يهمني أنا ما يهمني أن تكون مطالبي عادلة.
ثم أخي مطالب الحرية والعدالة، والتخلص من الطغيان والاستبداد والفساد والظلم هذه مطالب عالميَّة، وتلتقي معك فيها الشعوبُ جهاراً، والذي يخالفك فيها لمصلحةٍ لا يستطيع أن يقول: ليس من حقِّك أن تكون حراً، هو يقاومك في الخفاء ولا يستطيع أن يقاومك جهاراً؛ لأنَّ هذه المبادئ التي يحكم بها.
حذيفة: دكتور، هل ترون أنّ بعض التَّطبيقات المعاصرة شوَّهت مفهوم الخلافة التي كانت حلماً لكلِّ مسلم وما زالت؟
د.بكار: طبعاً لما يأتي خمسة آلاف أو عشرة آلاف إنسان، ويقولون: هذا خليفة، ويدعون الناس إلى بيعته، ويتجاهلون (25) مليون إنسانٍ هذه إساءة بالغةٌ للخلافة، هذا الاسم الجميل التاريخيّ الرمزيّ العزيز على النُّفوس، يتمّ تشويهه من خلال التّطبيق؛ ﻷن الخلافة تقوم على أمرين: السِّيادة للشريعة، والسُّلطة للأمَّة، على أيِّ أساسٍ أنت تحكم؟ تحتاج إلى سلطة، السُّلطة من الذي يمنحك إيَّاها؟ تمنحك إيَّاها الأمَّة؛ أي الشعب، الحكم الرَّشيد يقوم على هذين الأمرين، نفس الخلافة تقوم على هذين الأمرين، والملك العادل يقوم على هذين الأمرين، والجمهوريَّة العادلة تقوم على هذين الأمرين، فعلى أيِّ أساسٍ أنت تصبح رئيساً أو سُلطاناً أو أميراً أو خليفةً والناس لم يفوضوك؟! وإﻻّ البلد الواحد يمكن كل عشرين شبراً يكون عندنا خليفة، يجتمع الناس ويجعلونه خليفةً! هذا غير معقول أبداً.
حذيفة: أشكر لكم فضيلة الدكتور على إتاحة هذه الفرصة-أكرمكم الله-.
وأنتم أعزائي المشاهدين أشكر لكم حسن متابعتكم. وعلى أمل اللقاء بكم في حلقة جديدة من برنامج: فقه الثورة. أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
(1)  الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين.




مشاركة