فقه الثورة ح (2) القضية الكردية في سورية.. مع د.حسين عبدالهادي


الأربعاء ٢٦ / نيسان / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 4240



فقه الثورة
القضية الكردية
د. حسين عبد الهادي.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم أعزائي المشاهدين في حلقة جديدة من برنامج: (فقه الثورة). 
حديثنا لهذا اليوم: (القضية الكردية)، ويُسعدنا أن نستضيف فيها فضيلة الدكتور (حسين عبد الهادي)، عضو الأمانة العامة في المجلس الإسلاميِّ السُّوريِّ، وأحد علماء الكُرد المعروفين.
حذيفة: مرحباً بكم فضيلة الدكتور.
د.حسين: حيَّاكم الله أستاذ حذيفة وحيَّ الله المشاهدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حذيفة: فضيلة الدكتور لو سمحتم نريد لمحةً مختصرةً عن تاريخ الكُرد.
د.حسين: الشَّعب الكرديُّ شعبٌ أصيلٌ في المنطقة منذ فجر التاريخ، ليس شعباً مهاجراً موجود في أرضه كردستان والتي تضم جُزءاً من إيران وجُزءاً من العراق وجزءاً من سوريا وجُزءاً من تركيا.
 عاشوا مع شعوب المنطقة من عرب وترك وغيرهم بدون مشاكل وخصوصاً في ظلِّ الإسلام، فالإسلام دخل إلى كُردستان في السنة الخامسة عشر أو السادسة عشر بدون حربٍ، دخلوا الإسلام وحملوا رايته وعاشوا مع إخوانهم المسلمين.
فالحضارة الإسلاميَّة قائمةٌ على التَّنوع فالله  يقول: ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ  ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ  ﱹ ﱺ ﱻ ﱠ [الحجرات: ١٣]  فالإسلام أن يجمع بين القوميات والأديان، لأن الإسلام دين الحرية والكرامة الإنسانيَّة والحقوق.
حذيفة: معناه أن كُردستان القديمة انتهت مع دخول الإسلام، ذابت في الأمَّة الإسلاميَّة؟
د.حسين: هم دخلوا في الإسلام ولكن بقيت لهم كياناتهم وإماراتهم ولهم قادتهم، فالكُرد لعبوا دوراً سياسيَّاً خصوصاً في زمن صلاح الدِّين الأيوبي فلقد أسهموا في الحضارة الإسلاميَّة.
حذيفة: ما هي الدِّيانات المنتشرة بين الكُرد؟ وما نسبة غير المسلمين؟
د.حسين: الغالبية العظمى مسلمون سُنَّة، وهناك نسبةٌ قليلةٌ جداً أقل من (1%) يزيديَّة، ومسيحيون كذلك أقل من (1% أو 2%)، وهناك علويُّون نسبتهم تقريبا (3%)، فأغلب الكُرد مسلمون سُنَّة يعتنقون المذهب الشافعي.
حذيفة: ما أهم الأحزاب الكُرديَّة النَّاشطة؟
د.حسين: الكرد كغيرهم عندهم أحزابٌ متنوعةٌ اشتراكيَّةٌ وليبراليَّةٌ وديمقراطيَّةٌ وإسلاميَّةٌ.. ففي كُردستان العراق –مثلاً- بعد الحصول على الحكم الذاتي عندهم حريَّة وانتخابات، وعندهم حزبان إسلاميان: الجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي.
حذيفة: دائماً ما نسمع عن مظلوميَّة الكُرد، متى بدأت هذه المأساة؟
د.حسين: الكُرد كانوا يتمتَّعون بحريتهم وحقوقهم في الإمارات الكردية القائمة، لكنَّ الظلم ما حصل إلا بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانيَّة، فكانت لهم إماراتهم وقادتهم..، لكن بعد سقوط الخلافة الإسلاميَّة كان هناك مخططٌ لتقسيم البلاد الإسلاميَّة فقسموا العرب إلى (22) دولةً، والغرب انتقم من الكُرد فقسَّموا منطقتهم إلى خمسة أقسام فتجد الكُرديَّ الإيراني والعراقي والسُّوري والتركي أقرباء ومن عشيرة واحدة وكلُّ واحدٍ في دولةٍ.
حذيفة: لماذا انتقموا من الكُرد؟
د.حسين: يقال: لأنهم أحفاد صلاح الدين الأيوبي.
حذيفة: ممكن أن يكون السبب أنَّ الاستعمار كان يترك في كلِّ منطقةٍ منطقةَ نزاعٍ؟
د.حسين: هذا جانبٌ آخر، فالكُرد مُورس في حقِّهم ظلمٌ كبيرٌ، أنا من سوريا –مثلاً-هناك أناسٌ أبَّاً عن جَدٍ يعيش في سوريا وسُحبت منهم الجنسيات، والمناطق الكُرديَّة كانت مهملةً بشكلٍ كاملٍ، أمرٌ آخرٌ أنت عندما تُطالب بقوميَّةٍ عربيةٍ شيءٌ طبيعيٌّ أن يُطالب الكرديُّ بقوميةٍ كُرديَّةٍ.
حذيفة: في ظلِّ وجود النظام سمعنا عن ممارساتٍ عجيبةٍ لم نكن نسمع بها في ظلِّ التكتيم الإعلامي بحقِّ الكُرد، أشخاصٌ ليس معهم هوياتٌ شخصيَّةٌ –مثلاً-ممكن تحدثنا عن بعض مآسيهم.
د.حسين: أنا كنت صغيراً في المرحلة الابتدائية عندما أتوا وقاموا بإحصائية عام (1962م) فقاموا بإحصاءٍ عشوائيٍّ وليومٍ واحدٍ وبشكلٍ مزاجيٍّ تمَّ تصنيف النَّاس هذا مواطنٌ وهذا أجنبيٌّ فترى الأسرة الواحدة الأب أجنبيٌّ والأم مواطنةٌ وهكذا..، والأجنبي ليس له حقوقٌ لا يَدرس هو وأولاده ولا يتوظفون ولا يبيع ولا يشتري..، والسبب هو العصبيَّة والعدوانيَّة فهم كان من أهدافهم تدمير المنطقة، وأنا عندما كنت صغيراً كان والدي يقول لي: "حزب البعث سيُدمر المنطقة"، وحقيقة هذا الحزب دمَّر العراق ودمَّر سوريَّا أيضاً من وراء عُنصريتهم.
حذيفة: برأيكم كيف يتم علاج القضيَّة الكُرديَّة؟
د.حسين: يجب ألا ننظر إلى مشاكل أمتنا من زاويةٍ واحدةٍ فهناك مشاكل كثيرة جداً تركها لنا الاستعمار والحكومات القوميَّة فيما بعد، والحكومات القومية حقيقةً فشلت في التنمية وفي بناء الإنسان وفي التربية وفي كلِّ مجالٍ، فعندنا مشاكلُ كثيرةٌ بدليل أن الشَّعب السُّوريَّ قام بالثورة نتيجة الظلم القائم عليه، فالإنسان يخرج يقاتل ويحارب عندما تُسلب حريته ويُسلب حقَّه وتُداس كرامته، فهذه نتيجةٌ طبيعيَّةٌ للظلم.
فعلينا كمسلمين أن نتحاور بعقلانَّية ونحن مسلمون ومرجعيتنا الإسلام، نتحاور بدل أن نتقاتل نتحاور وكلُّ إنسان يأخذ حقَّه، الحضارة الإسلامية جمعت الجميع المسلمين وغير المسلمين فهي حضارةٌ عالميَّةٌ إنسانيَّة فالله  يقول: ﱡﭐ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑﳒ ﳩ  ﱠ [البقرة: ٢٥٦] هذه حريَّة، أيضاً الكرامة الإنسانية فالله يقول: ﭐﱡﭐ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲏ ﱠ [الإسراء: ٧٠] فقصة القبطيِّ الذي جاء إلى سيدنا عمر يشكو ولد عمرو بن العاص ما كان ليأتي لولا أنه كان على يقينٍ أنَّ كرامته وحقَّه مصانان، أمَّا لو لم يكن هناك عدلٌ أُضرب وأسكت وأُظلم وأسكت.. فالإسلام لا يقبل العبودية ولا يقبلِ الظلم.
وأنا باعتقادي أننا في العالم العربي والكُرد بشكلٍ خاصٍّ سِرنا في الطريق الخطأ في حلِّ مشاكلنا فلا شيوعيَّة ولا رأسماليَّة تستطيع أنْ تحلَّ مشاكلنا، والغرب لا يحلُّ مشاكلنا بل يعقِّد المشاكل، فالغرب هو من قسَّم العرب ووضع بينهم الحواجز المصطنعة والتي صارت أصناماً مقدَّسةً، فالغرب يُعقِّد المشاكل فمشاكلنا يجب أن نحلَّها بأيدينا.
حذيفة: هل حلُّ القضيَّة الكُرديَّة يكون بالسلاح؟
د.حسين: بقناعتي ومن خلال تجاربنا حوالي (50 سنة) ما استطعنا أن نحلَّ مشكلةً بالسِّلاح، السِّلاح يُعقِّد المشاكل، الحلُّ الوحيد بالحوار.
أنا زُرت كُردستان العراق عام (1991م) عندما نزح الأكراد إلى تركيا ورجعوا وكانوا فقراء وأحوالهم سيئةٌ، ذهبنا هيئة الإغاثة الإسلامية فساعدناهم بما نستطيع، والتقيتُ بمسؤولٍ من قيادات الحزب البرزاني اسمه (فاضل) فتحاورنا عن الأكراد وأوضاعهم فهم دائماً في ثورات في كُردستان العراق فقال لي: "رغم أنَّنا قُدنا حروباً مع الحكومة العراقيَّة وصلنا إلى قناعة أنَّ القضية الكُرديَّة لا تحلُّ بالسلاح" فخصوصاً في الزمن الحاضر الأسلحة متطورةٌ وفتاكةٌ فنحن عندما ندخل في حروبٍ ندمِّر بعضنا هذا ليس من العقل، والله قال لنا: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) فالإسلام طرح نظرية التعارف بين القوميات والشعوب والأمم والحضارات، فنحن لا ندعو كما يدعو غيرنا إلى صدام الحضارات نحن ندعو إلى حوار الحضارات فبدلاً من القتال يجب أن يكون الحوار مع الجميع.
حذيفة: طيب الجميع الآن في سوريا –مثلاً-يحمل سلاحاً.
د.حسين: عندما تكثر المظالم الإنسان يفقد صبرَه هنا يحمل الإنسان السلاح مضطَّراً هذا في سوريَّا.
أما بالنسبة للأكراد فأنا أقول: عليهم أن يتعلموا ويدرسوا ويكونوا علماء، الأمر الآخر أنْ يهتموا بالجانب الاقتصادي ويكونوا أقوياء، ثم اعملوا في مجال السياسة.
فعلى الأكراد أن ينظروا إلى مصلحة الشَّعب الكُرديِّ وإلى مصلحة الشعوب في المنطقة بشكلٍ عامٍ، ثم يجب أن يبتعدوا عن حمل السلاح.
أما في سوريَّا فما جرى دفاعٌ عن النفس أمام الظلم الواقع على هذا الشَّعب.
حذيفة: من الذي يُقاتل الأكراد في سوريا الآن؟
د.حسين: هناك قتالٌ بين الأكراد وداعش.
والأكراد اليوم يطالبون بحقوقهم ضمن سوريا الموحَّدة أرضاً وشعباً، ممكن ندعو إلى اللامركزيَّة وأنا قناعتي أنَّ الحضارة الإسلامية كانت قائمةً على اللامركزية، فممكن نحصل على حقوقنا دون قتالٍ وإراقة دماءٍ، فالله أعطانا عقلاً وقال: (لتعارفوا...) فالتعارف يؤدي إلى التعاون والتعاون يوصل إلى السعادة.
حذيفة: هل خطاب الإخوة الأكراد اليوم موحَّدٌ، فما يوجَّه إلى الكُرد في تركيَّا هو نفس ما يوجَّه إلى الكُرد في سوريَّا والعراق؟
د.حسين: أنا قناعتي أن وضع الكُرد في تركيَّا يختلف عن وضع الكُرد في سوريَّا.
فبالنسبة للإخوة الكُرد في سوريَّا أقول: يجب أن يقفوا في صف الثورة السَّوريَّة؛ لأنه عندما يسقط هذا النظام الديكتاتوري المجرم الأكراد سيحصلون على حقوقهم جميعها، فالإسلام ليس ضدَّ القوميَّة لأنَّ القومية وعاءٌ فعندما نملؤه بفلسفةٍ نازيَّةٍ هنا المشكلة، فالغرب بعد أن جرَّب القومية واكتوى بنارها بعد الحربين العالميتين رفض القوميَّات ورجع إلى الوحدة فكوَّنوا الاتحاد الأوربي.
فلما رأوا ضرر هذه القوميَّات وأثرها في الفرقة أرسلوها لنا، فاستوردنا ثقافةً الغرب تخلَّى عنها، بل استوردنا قوميةً نازيَّةً مقيتةً، فأصبحنا نتحارب على القوميَّات التي لا علاقة لنا بها ولا اختيار لنا فيها فأنا لم أختر كوني كرديَّاً وأنت لم تختر كونك عربيَّاً وهكذا.
حذيفة: أين الإسلاميُّون الكُرد من السَّاحة نسمع عن أحزابٍ شيوعيَّةٍ وعلمانيَّةٍ أين الإسلاميون؟
د.حسين: أنا عندما زُرت العراق (1991م) بعد أحداث (الأنفال) والتي جرت بعد انتهاء الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة (صدام حسين) وجَّه جيشه إلى كُردستان العراق، وجعلت الطائرات ترمي المنشوراتِ كلُّ أبناء القرية الفلانية يتوجهوا إلى القرية الفلانيَّة كباراً وصغاراً ونساءً الجميع، فكان يأخذ كل من عمره (16 إلى 45 سنة) كانوا يُؤخذون بالسَّيَّارات العسكريَّة إلى مناطقَ مجهولةٍ، كما يقولون: حوالي (180000 رجل) أخذوهم إلى الصحراء فحفروا لهم الأخاديد ودفنوهم وهم أحياء، بحجة أنهم كانوا مع إيران وأنهم خونةٌ، وسمُّوا الحادثة بـ (الأنفال) أي: أنهم كفار يُقتلون وتُسبى نساؤهم وتُسلب أموالهم.
فأنا عندما زرت العراق ظننت أنه لا أحد يصلي نتيجة الواقع السيء فلما كان يوم الجمعة ذهبت للصلاة فوجدت المسجد ممتلئاً بالشباب، فالشَّعب الكُردي شعبٌ مسلمٌ حقيقةً.
فكُردستان العراق عندما هدأت الأمور وصار عندهم ديمقراطيَّة وصار عندهم أحزابٌ مثل (الاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية)، والشَّعب الكُرديُّ في تركيا ملتزمٌ أكثر من الشَّعب الكُرديِّ في العراق وسوريَّا ولكن ما عندهم تيارٌ إسلاميٌّ مستقلٌ.
حذيفة: في سوريا يوجد تياراتٌ إسلاميَّةٌ كرديَّةٌ؟
د.حسين: نعم، جبهة العمل الوطني ولكن لا يستطيع أن يعمل بحريَّة.
حذيفة: متى أسست؟
د.حسين: قبل (3 أو 4 سنوات)، يعملون في المجال الإسلامي ويشرف عليه إخوةٌ من الدَّاخل والخارج ويرفضون حمل السِّلاح، ونسبتهم جيدةٌ.
أنا متفائلٌ فأعداؤنا يريدون أن يجرُّونا إلى فتنةٍ، فعلينا ألا ننجرَّ إلى هذه الفتنة نتحاور ونستخدم عقولنا لمصلحتنا، أن أتوقع أن نلتقي شعوبنا ونحلَّ مشاكلنا بأيدينا، وتكون هناك ولايات أو إمارات إسلامية، أنا بقناعتي ستُحلُّ مشاكلنا.
حذيفة: أنا سمعت منكم مصطلحا أعجبني الولايات المتَّحدة الإسلاميَّة.
إذا نحن ما حللنا مشاكلنا بأيدينا وما طرحنا مشاكلنا بصدقٍ فإنَّ أعداءنا سيتدخلون ويفتنون.
حذيفة: جزاكم الله خيرا. فلقد وضحتم لنا أموراً كانت غائبةً عنَّا.




مشاركة