فقه الثورة ح (3): أهل الحل و العقد.. مع د.معاذ الخن


الأربعاء ٢٦ / نيسان / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 5074



فقه الثورة
أهل الحل والعقد
الدكتور معاذ الخن
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (فقه الثورة).
يقول الله U: ﱡﭐ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ  ﳌ ﳍﳎ ﳢ ﱠ [النساء: ٥٩]، حاجة الأمَّة إلى قيادة واعية حكيمة تلجأ إليها عند المُلِمَّات حاجة ملحة، وهو ما كان يطلق عليه في فقهنا القديم: (أهل الحل والعقد)، فمن هم أهل الحلِّ والعقد؟ وما هي شروطهم وصفاتهم؟ وما هي وظيفتهم؟ وهل أقوالهم وأفعالهم مُلزمة للأمَّة أم لا؟ هذه الأسئلة وغيرها يسرُّنا أن نستضيف للإجابة عليها فضيلة الدكتور (معاذ مصطفى الخن) نائب رئيس المجلس الإسلامي السوري، وله بحث في هذا المجال بعنوان: (مفهوم أهل الحلِّ والعقد).
مرحباً بكم فضيلة الدكتور..
د.الخن: حيَّاكم الله وبارك بكم..
حذيفة: مَنْ هم أهل الحلِّ والعقد؟
د.الخن: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في مفهوم أهل الحل والعقد الترتيب المنطقي يجب أن يكون العقد قبل الحل، لأنَّ العقد دائماً يكون قبل الحلّ، ولكن هذا المصطلح درج عليه الأكثرون لسهولته، والمقصود بالعقد عقد نظام الأمة ونظام الحكم جزء منه.
مفهوم أهل الحل والعقد تطوَّر عبر التاريخ والتطور المجتمعي لمجتمع الإسلام والمسلمين إلى أن وصل إلى تراتبية معيَّنة ضبطه بعض المعاصرين من أهل العلم بأنهم: (المتَّبَوعون والمُطَاعون في واقع الأمَّة بحيث ينالون ثِقة النَّاس ويَصدُر الناس عن رأيهم)، فأهل الحلِّ والعقد يَجمعون بين العلم والقدرة وهو ما كانوا يعبرون عنه بـ: (الشَّوكة).
فهذا المصطلح من حيث البحث العلمي هو قديم، لا يُعرف بالضبط من أوّل من استخدم هذا المصطلح.
حذيفة: هل هذا المصطلح موجود في القرآن والسنة؟
د.الخن: ليس موجوداً بهذه الصيغة، يوجد في القرآن مصطلح (أُولُو الأمر) قال الله عز وجل: ﭐﱡﭐ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ  ﳌ ﳍ ﳢ  ﱠ [النساء: ٥٩]، و(أهل الذكر) ﭧ ﭐﭨﭐ ﱡﭐ ﱊ ﱋ  ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱠ [النحل: ٤٣]، ومصطلح (الشورى) فبعضهم يُعبِّر عن مصطلح أهل الحلّ والعقد بأنهم: أهل الشورى، أمَّا مصطلح أهل الحلّ والعقد فليس موجوداً في الكتاب والسُّنّة بهذا اللفظ.
وأنا وجدتُ بما بين أيدينا من الكتب أنَّ أول من استخدمه في كتبه أبو الحسن الأشعري المتوفى سنة (330هـ) في كتابه: (الإبانة) ذكر هذا المصطلح باللفظ، وجاء بعده الباقلاني المتوفى سنة (403هـ)، ثم من بعده كلُّ من كتب في السِّياسة الشرعيَّة والفقه السياسي الإسلامي بدأً من الماوردي الشافعي المتوفى سنة (450هـ)، مروراً بالفراء الحنبلي المتوفى سنة (458هـ) في كتابهما: (الأحكام السُّلطانيّة).
حذيفة: بالنسبة لأبي الحسن الأشعري والباقلاني المعروف عنهما أنَّهما إمامان في مباحث العقيدة، فهل ذكرا هذا المصطلح في مباحث العقيدة أم في كتب أخرى لهم؟
د.الخن: كان هذا المصطلح جزءاً من العقيدة عندما يتحدثون عن منصب الخلافة والإمامة ذكروا ذلك، لأنَّ كتاب (الإبانة) للإمام أبي الحسن الأشعري في أصول الديانة كما هو معلوم.
ومرت فترةٌ كانوا يعتبرون أحكام الإمامة جزءاً من الفقه الإسلامي فالإمام الغزالي ذكره، ومن بحث في علم الاجتماع ذكره كابن خلدون في كتابه (المقدمة).
حذيفة: لكنْ قرأتُ لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (منهاج السُّنَّة) ينتقد الإماميَّة في أنَّهم يعتبرون الإمامة من أصول الدين فيردّ عليهم في هذا الباب.
د.الخن: هو ينتقدهم في جعلها ركناً من أركان الدين، لا لأنَّهم تكلموا عنها في مباحث العقيدة، وأهل السُّنّة والجماعة لا يرون أنها ركن من أركان الدين، ولكن لها تفاصيل عندهم مثل قضية نصب الإمام وصلاحيات ومهام الإمام..
والمعروف أنَّ بعض الأبحاث تُدْرَجُ في كتب العقيدة لسببٍ معينٍ، فمثلاً كتاب (العقيدة الطَّحاويَّة) للإمام الطَّحاويّ ذكر فيه: "ونرى إمامة الشيخين، والمسح على الخفين) لماذا ذكر المسح على الخفين مع أنَّه من مباحث الفقه الإسلامي؟ لأنَّ هذا صار شعاراً لأهل السُّنَّة لأنَّهم يرون المسح على الخفين بينما الشيعة لا يرون المسح على الخفين بل يرون المسح على القدمين.
حذيفة: هل كان أهل الحلّ والعقد موجودين في زمن النبي r؟
د.الخن: بما أنَّنا قُلنا أهل الحلِّ والعقد هم أهل العلم والقدرة فأهل العلم موجودون وأهل القدرة موجودون، ولكن هل مارسوا أدوارهم بصفة أهل الحلّ والعقد؟ النبيُّ r كان معصوماً ومُسَدَّداً بالوحي، وهو بالنسبة للأمَّة رسولها وقائدها السياسيّ r، لكنْ لا يعني هذا أنه r لم يدرب أصحابه للمرحلة التي سوف تليه فهو يُشرِّع للأمَّة في حضوره وبما ستؤول إليه حال الأمة بعد غيابه ووفاته ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ  ﳔ ﱠ [الزمر: ٣٠]،  فنرى النبي r كان يستشير أصحابه رضوان الله عليهم، وكان يستشير بشكلٍ واسعٍ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان بعضهم يسميهما بالوزيرين، وورد في بعض الرويات (لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِى مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا)([1])، ومعلوم كيف استشار عليه الصلاة والسلام الصحابة يوم بدرٍ استشار المهاجرين والأنصار، وكذلك شوراه يوم أحدٍ في الخروج أو عدم الخروج، وكذلك يوم الخندق حيث أشار عليه سلمان t بحفر الخندق.
فالنواة الأساسيَّة لأهل الحلّ والعقد هم السابقون الأوَّلون لأنَّهم كانوا القادة فيما بعد لأنهم مجرَبون ومُتَمَرِّسُون والقرآن الكريم قَدَّمهم ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱛ ﱠ [التوبة: ١٠٠].
هذه الشريحة الأولى: (السَّابقون الأوَّلون) من المهاجرين عندما قامت الدَّولة بعد الهجرة كانوا هم الشريحة الأساسيَّة لأهل الحلِّ والعقد.
الشريحة الثانية: هم نُقباء الأمصار الذين ظهر دورهم في بيعة العقبة الثانية، ثم استمر دورهم بعد قيام الدولة في المدينة المنورة، هؤلاء نقباء الأمصار عن الأوس والخزرج وقد كان الأوس ثلاثة قبائل وكان الخزرج تسعة بطون.
ثم بعد ذلك ظهرت فئةٌ جديدةٌ متميزةٌ من أهل الحلِّ والعقد: علماء وفقهاء الصحابة فلقد كان لهم رأيٌ في كثيرٍ من القضايا والنوازل التي كانت تعتري الأمة.
حذيفة: فئة السابقون الأوَّلون كان منهم العلماء والفقهاء وكان منهم العوام، فهل كانوا جميعاً من أهل الحلِّ والعقد أم فقط العلماء؟
د.الخن: بالطبع ليسوا جميعاً من أهل الحلِّ والعقد كان منهم نخبةٌ معروفةٌ وكان عمر بن الخطاب t يُقدِّمهم ويستشيرهم.
حذيفة: هل مصطلح أهل الحلِّ والعقد مقابل للشُّورى؟ أم أنَّه أعم وأشمل؟
د.الخن: العلماء الذين يُعنون بضبط المصطلحات يقولون: "تختلف العبارات لاختلاف الاعتبارات"، بمعنى أنَّك تُعرِّف الشيء إما بجوهره أو لوازمه أو مهامه، فنحن عندما نقول: أهل الحلِّ والعقد هم دورهم أكبر من الحلِّ والعقد، فمثلاً مِنْ مهامهم الشُّورى، فلما نقول: أهل الشُّورى فهذا يعني إحدى مهام أهل الحلِّ والعقد، فممكن في مرحلةٍ زمنيّةٍ أن يُعَبَّرَ عن أهل الحلِّ والعقد أنهم هم أهل الشُّورى، فهذا دور مارسوه في مرحلةٍ تاريخيةٍ معينة، لكنَّ دورهم أكبر من ذلك بكثير.
حذيفة: ما هي مهام أهل الحلِّ والعقد؟
د.الخن: أولاً: تولية الحاكم: بمعنى البيعة الصغرى، أي: ترشيح واختيار الحاكم، أمَّا البيعة الكُبرى فتكون لعامِّة النَّاس بعد ذلك، وهذا ما رأيناه في عهد الخلفاء الرَّاشدين أنَّه سبق بيعةَ النَّاس بيعةُ أهل الحلِّ والعقد والتي تُسمى البيعة الصغرى.
والبيعة الصغرى التي هي اختيار أهل الحلِّ والعقد تُعَبِّرُ عن رأي عامَّة النَّاس، ثمَّ تأتي البيعة الكبرى لتكون تعبيراً صريحاً عن رضاهم باختيار أهل الحلِّ والعقد.
حذيفة: هل يُمكن للبيعة الخاصَّة أن تَنْقُضَ البيعة العامَّة؟ بمعنى أنْ ترفض الأمَّة اختيار أهل الحلِّ والعقد؟
كاحتمالٍ رياضيٍ بحتٍ هذا ممكن، أمَّا في الواقع لم يحصل هذا، ولا يُمكن أن يحصل لأنَّ أهل الحلِّ والعقد من الأمة، ويمثلون عقل ووعي الأمَّة وواقع الأمَّة، لذلك قلنا: هم كل مَتبوعٍ مُطَاعٍ في واقع الأمَّة فهم يمثلون واقعاً.
ثانياً: عزل الحاكم: إذا اقتضى الأمر عزله، كأن يفقد عناصر أهليته، أو خرج عن شورى المسلمين.. ولغيرها من الأسباب الموجودة في كُتب السِّياسة الشَّرعيَّة.
ثالثاً: الرَّقابة: على كافَّة أجهزة الدولة من الإمارة إلى الحسبة ومؤسسة الوقف وبيت المال.. في نظام الحكم الإسلاميّ.
رابعاً: حماية الإمام عند الخروج عليه: أي حماية السُّلطة الشَّرعَّية من الخارجين عليها، وهذا حصل في عهد سيدنا عثمان t عندما خرج عليه البعض، وكذلك عندما خرج الخوارج على سيدنا علي t، فكثيرٌ من أهل الحلِّ والعقد وقفوا مع سيِّدنا علي لأنه السُّلطة الشَّرعيَّة المُنتَخَبَة التي أخذت شرعيتها من أهل الحلِّ والعقد ومن مبايعة النَّاس لهم.
خامساً: الشُّورى: وهو الدَّور الذي مُورس في زمن النبي صلى r، فالشُّورى مبدأٌ أصيل ٌوركيزةٌ أساسيَّةٌ من النِّظام السِّياسيّ الإسلاميّ، فقد جاء في الشورى آيتان: واحدة في سورة سميت بسورة الشورى ﭧﭐﭨ ﭐﱡﭐ ﲎ ﲏ ﲐ ﲔ ﱠ [الشورى: ٣٨]، وآية في سورة آل عمران ﭧﭐﭨﭐﱡ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ  ﱣ ﱤ ﱥﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱠ [آل عمران: ١٥٩]، والشُّورى مبدأٌ تُرِكَ للنَّاس تنظيمُه، ولذلك نلاحظ تعامل المسلمين في مراحل الدَّولة الإسلاميَّة الأولى في عهد الخلفاء الراشدين مع منظومة الشُّورى كجزء من المنظومة السِّياسيَّة في الإسلام تعاملاً مختلفاً من حيث الآليات، فالطَّريقة التي بُويِعَ بها سيدنا أبو بكر  t غير الطريقة التي بُويِعَ بها سيدنا عمر t وسيدنا عثمان وسيدنا علي y.
حذيفة: بعض الباحثين يَتَّهِمون المسلمين بالتَّقصير في صياغة قانونٍ سياسيٍّ مُنظمٍ مناسبٍ للزمان الذي نعيش فيه، فما رأيكم؟
د.الخن: هذا السؤال مع وجاهته إجابته طويلةٌ ويستلزم أكثر من حلقة.
فنحن أولاً يجب أن نفهم منظومة الحكم في الإسلام، فأنا برأيي أنَّ هذه المنظومة ليست نصيةً بعمومها، وما جاء فيها من نصوصٍ هي عبارة عن إشاراتٍ قِيَمِيَّةٍ مبدئيَّةٍ منهجيَّةٍ، وأمَّا التَّفاصيل والآليات وتنظيم ذلك فيُترك للنَّاس بحسب تطور مجتمعاتهم، ولذلك تلاحظ أنَّ مفهوم أهل الحلِّ والعقد جزءٌ من هذه المنظومة، تطوَّر بتطور أدواره ومهامه ومن يمثله أيضاً، ففي زماننا ستظهر شرائح جديدةٌ يجب أن يكون من أهل الحلِّ والعقد لم يكونوا موجودين في السابق، النقابات المختلفة نقابة العمال والأطباء والتجار..، فهؤلاء يتحقَّق فيهم وصفَ العلم والقدرة فلهم نفوذٌ على شرائحهم.
في الماضي كانت المجتمعات بدائيةٌ بسيطةٌ فأهل العلم كانوا محصورين في فئتين: أهل العلم الشرعي وهم العين الشرعية المبصرة على أحكام الشَّريعة، وأهل الاختصاص في السِّياسة والاجتماع والاقتصاد..، وهؤلاء جزءٌ من أهل الذكر الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲔ ﲕ  ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﱠ [الأنبياء: ٧] فهؤلاء يمثلون العلم.
أما الشَّوكة: فيمثلها رؤساء العشائر والقبائل، من المتبوعين على واقع الأرض، لأنَّ لهم الطَّاعةُ والقرآن ضرب لهم نصيباً من الزَّكاة (سهم المؤلفة قلوبهم).
حذيفة: في زماننا ما هي المؤسسات التي يمكن أن تمثِّل أهل الحلِّ والعقد؟
د.الخن: أولاً: العلماء والفقهاء والدُّعاة وكِبار المؤسسات الدِّينيَّة.
ثانياً: أهل الاختصاص، هذا في مجال العلم.
أمَّا في مجال الشَّوكة فهذا بابٌ واسعٌ اليوم، فلقد دخل على الخطِّ القُّوة الإعلاميَّة فممكن أن نعتبر من أهل الحلِّ والعقد كبار مالكي الشركات الإعلاميَّة الكبرى، فهؤلاء اليوم يصنعون الرأي العام.
أيضاً عندنا القُّوة الاقتصاديَّة فاليوم أكثر شيءٍ يتحكم به الغرب في المشاريع السِّياسيَّة المطروحة المال والإعلام.
حذيفة: كلُّ من ذكرت أفراد لا يوجد مؤسسات، ألا يمكن اعتبار البرلمان ممثلاً لأهل الحلِّ والعقد؟
د.الخن: البرلمان هو صيغة من صيغ المنظومة الدِّيمقراطيَّة، أما عندما أبحث مفهوم أهل الحلِّ والعقد فأنا أبحثه في سياق المنظومة الإسلاميَّة السِّياسيَّة.
المنظومة الدِّيمقراطية منظومةٌ أخرى بقيمها ومبادئها وفي آلياتها وأدواتها، فممكن أن يلتقي النِّظام الإسلاميّ السِّياسيّ مع النِّظام الدِّيمقراطي وممكن أن يتقاطعا.
فالدِّيمقراطية هي إدارة سلطة، فيوجد في النِّظام الدِّيمقراطي صراعٌ على هذه السُّلطة، فهي إدارة الصراع بطريقةٍ سلميَّةٍ، فوجدوا أنَّ حلَّ الصراع القائم نتيجة الاختلاف في المجتمعات بدلاً من أنْ يُحلَ بالقوَّة ويدفع المجتمع كلُّه الثمن يُحل بالدِّيمقراطيَّة، لكنَّ النقطة الأساسيَّة أنَّ فلسفة النظام الدِّيمقراطيّ قائمةٌ على الصراع.
أما فلسفة النِّظام الإسلاميّ فقائمةٌ على فكرة التوازن وليس الصراع، لذلك الدُّور الأساسيّ للحاكم هو التنظيم والإشراف على مؤسسات المجتمع.
فالقاعدة الأولى في النِّظام السِّياسيّ الإسلاميّ كما أفهمه في التركيبة هو مركزيَّة دور المجتمع وهامشيَّة دور الدَّولة، وهذا ما رأيناه في زمن النبي r فنفاط الاحتكاك ما بين المجتمع والدولة قليلةٌ، فالدولة لا تتدخل بتعليم النَّاس ولا طبابتهم ولا تجارتهم، والدَّولة لا تُتاجر ولا تزرع ولا تصنع، أمَّا وظيفة الدَّولة الأساسيَّة فيُمكن تلخيصها فيما يلي: الحماية الخارجيَّة من الأعداء، حماية الأمن الداخليّ، والقضاء الذي يَحتل قِمَّة الهرم في حلِّ المشاكل، فيوجد قبل القضاء الوجهاء  والوسطاء والصلح فَيَحُلُّ النَّاس مشاكلهم فيما بينهم، فإذا لم يستطيعوا حلَّ مشاكلهم نلجأ للقضاء، لذلك لما عيَّن سيّدُنا أبو بكر t سيدنا علياً t قاضيَّاً على المدينة جاء واعتذر، لعدم وجود متخاصمين أمامه في المحكمة.
والمهمة الأخيرة من مهام الدَّولة في الإسلام تنظيم مؤسسات المجتمع.
فالنبي r ترك النَّاس يبيعون ويتاجرون لم يتدخل في بيعهم وتجارتهم، قد تتدخل الدَّولة في مسألة التنظيم، لكنَّ الدَّولة ليست تاجراً ولا تبيع للنَّاس وليس لديها مؤسسات استهلاكية، وليس هذا من صلاحياتها يترك هذا الأمر للناس، لكنَّ الدَّولة إن رأت خللاً تَدخلت، مثال: النبي r ما كان يُسَعِّر للنَّاس فعن أَنَسٍ t قالَ: قَالَ النَّاسُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلاَ السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِى بِمَظْلَمَةٍ فِى دَمٍ وَلاَ مَالٍ»([2]) -رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان وقال أبو عيسى الترمذي: حديث حسن صحيح- فالنبي r ما تَدَخَل في السُّوق لكنَّ المجتمع كان يُرمِّم نفسه.
لذلك ترى المجتمع بقي في زمن النبي عليه r مجتمعاً قويَّاً لأنَّ المجتمعات أسبق من الدُّول، وإلى يومنا هذا توجد مجتمعات لا توجد فيها دول، وقائمة وتُدِير شؤونها.
حذيفة: لو أردنا تطبيق مبدأ أهل الحلِّ والعقد على واقعنا ما هو التَّصور؟
د.الخن: كما ذكرنا علينا أن نبحث في العلم والقدرة، ومفهوم القدرة اليوم تغيَّر فالقوَّة الإعلاميَّة في بعض المجالات قد تكون أقوى من القوة الحقيقيَّة فهؤلاء ينبغي أن يكونوا من أهل الحلِّ والعقد، أيضاً القوَّة الاقتصاديَّة ومعروف اليوم التجربة اليهوديَّة ملكوا العالم بالمال والإعلام، أيضا النقابات والوجهاء في المدن.
وانظر اليوم عند غياب سلطة الدَّولة إلى من يلجأ النَّاس كما حصل عندنا في سوريا؟ يلجؤون إلى من عندهم العلم والقدرة من العلماء والدُّعاة والمجالس الشرعيَّة والقضائيَّة، أيضاً قادة الفصائل فهم يملكون القدرة.
فهذا مفهومٌ تطوَّر عبر التاريخ.
حذيفة: جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور.
 
 
([1]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب وحديث عبد الرحمن بن غنم عن النبي مرسل.
([2]) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق صحيح ابن حبان: " إسناده صحيح على شرط مسلم".




مشاركة