العواطف ميالة للتطرف


الإثنين ٠٩ / تشرين الأول / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 2609



العواطف ميّالة إلى التطرّف
لدينا بنية عقليّة ولدينا نيّة نفسيّة، البنيّة العقليّة تمضي في اتجاه، والبنية النفسيّة تمضي في اتجاه آخر، بل أكاد أقول: إنّ بين البنية العقليّة والبنية النفسيّة نوعاً من الصراع، البنية النفسيّة تقوم على الرغبات والشهوات والانطباعات والميول، بينما البنية العقليّة تقوم على التفكير الموضوعيّ والمحاكمة العقليّة ووزن الأمور والنظر إلى العواقب.
نحن بحاجة إلى البنية النفسيّة لأنّها مصدر الطّاقة والقوّة والحركة، وهي الراحلة التي تحملنا من مكان إلى آخر، لكن هذه الراحلة لابدّ لها من دليل، ولابدّ لها من طريق، والدليل هو البنية العقليّة.
عواطفنا بطبيعتها ميّالة إلى التّطرّف، فنحن من طبعنا إذا أحببنا أن نحبّ بلا حدود، وإذا أبغضنا ومقتنا نمقت أيضاً بلا حدود، حين نحبّ شخصاً نضيف إلى محاسنه محاسن كثيرة ليست له، وحين نبغض شخصاً نضيف إلى سلبيّاته سلبيّات كثيرة ليست فيه، وهذا مجافٍ للإنصاف، وقد ورد في أثر، وبعضهم يقول إنّه حديث: (أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، أي علينا أن نلتمس الاعتدال، ونلتمس التوازن والإنصاف، والتوسّط في حال الإقبال والحبّ والرضا والامتنان، وفي حال الكره والبغض والإعراض أيضاً، لأنّ التطرف في هذين الأمرين ليس موضوعياً.
مهما كان الشخص سيّئاً فلديه بعض الخير، ومهما كان الشخص خيّراً فلديه بعض الشرّ، ومن المهمّ أن ندرك هذا وهذا.
العواطف تميل إلى التفلّت، ولابدّ من عقل يديرها، لابدّ من رؤية ووعي يضع لتفلّتها وعنفوانها وتطرّفها إطاراً يؤطّرها، والله U يقول: (ولا يجرمنكم شنآن قوم-أي بغضهم- على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) أي لا يحملكم بغض قوم على ألا تعدلوا معهم، وعلى أن تظلموهم، أو أن تقولوا فيهم ما ليس فيهم، وكما قال U: (ويل للمطفّفين الذين إذا اكتالوا على النّاس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، هذا ليس في الموازين الماديّة فقط، بل حتّى في الموازين المعنويّة، فلا ينبغي أن نسلب إنساناً ميزة مّا، لأنّنا نختلف معه، وإنّما ينبغي أن نقول الحقّ، فنقول مثلاً: أنا لا أحبّه، ولكن فيه كذا وكذا.. من الخير، وتقول: فلان أنا أحبّه، ولكنّي لست راضياً عن كلّ ما يفعل، وأختلف معه في مسائل ونقاط.
دائماً نحن نتطابق في الكليّات والإنسانيّات الكبرى، وفي الخطوط العريضة والعامّة، لكنّنا نختلف في خيريّتنا وفي سُوئِنا.. نختلف كثيراً عن بعضنا بعضاً.
هذه رسالة لأن نكون منصفين عادلين ومتّزنيين في حال المودّة والمحبّة والرضا، وفي حال الخلاف والكره أيضاً، وقد قال ﷺ عن النّساء - وهو كلام عن جنس النّساء، وليس عن المرأة المفردة، فليست كلّ امرأة هكذا، ولكن كثيراً من النساء هكذا-: (لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر، ثمّ رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قطّ)، هذا تنبيه للجميع، وتنبيه للنساء بشكل خاصّ، أنّها إن غضبت فلا ينبغي أن تسمح لعواطفها أن تنفلت من المعيار الموضوعيّ، والمحاكمة العقليّة الرشيدة.
انتهى





مشاركة