الإحياء الشيعي المعاصر


الخميس ٠٧ / كانون الأول / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 783



الإحياء الشيعي المعاصر 
كما رأينا في حلقات سابقة أن الأسطورة الشيعة تبلورت في القرن الرابع الهجريّ، والتي تقوم على نظرية الإمامة، وبعد غيبة (محمد المهدي) وقع الشيعة في حيرة واضطراب وضياع، لانعدام المرجعيّة السياسيّة والدينيّة عندهم، فاعتزلوا المشهد السياسيّ، وتركوا قضايا الشأن العام، منتظرين عودة (المهديّ). 
وبقوا على هذه الحال قروناً عدّة، تاركين حركات الشيعة الأخرى كالإسماعيليّة والزيديّة مشغولة بالفضاء السياسي، وبقي هذا حال الإمامة، حتى جاء عصر (إسماعيل الصفويّ) وهو شيخ طريقة صوفيّة تركمانيّة اعتنق المذهب الإمامين وفرضه على أهل فارس بطريقة الإكراه، واستقدم علماء شيعة لبنانيّين، منهم (الكركي العاملي) الذي طوّر نظريّة الإمامة الشيعيّة؛ وقال: لا يمكن أن يبقى الشيعة بلا إمام، ولابدّ من أن يكون هناك نواب عن (المهدي) الغائب، يقومون برعاية الشيعة. 
وقال: إنَّ هؤلاء النوّاب هم المرجعيّات الفقهيّة، وهم مسؤولون عن رعاية الشيعة الدينيّة، وقضايا العلم والفتوى، وخمس المال، وهم يعطون الشرعيّة للملوك الشيعة، وبهذا استطاع الصفويُون شرعنه سلطتهم السياسيّة، بنيابة الفقهاء عن المهدي، في تولية الحكّام، واستمرّ هذا الأمر في الدولة الصفويّة والجارية، 
ثم عندما جاء الخمينيُّ في أواخر الستّينيات، بعد أن طرد من (إيران) إلى العراق، قام بتطوير نظريّة النيابة الدينيّة عن (المهديّ)، إلى نظام ولاية الفقيه العامّة والتي تعني أنَّ الفقيه لا ينوب عن (المهديّ) فقط في أمور الفتوى والخمس... وإنّما يلي كلَّ أمور المسلمين، من حكم البلاد وتجيشِ الجيوش، وبهذا قضى الخمينيُّ على آخر صلاحيّات (المهديّ) المنتظر حسب التنظير الفقهي الشيعي، الذي لم يعدله أيّ عمل، واستغلّ الخمينيُّ الثورة الإيرانيّة على الشاه (بهلوي)، بدعم غربيّ واضح.
حطّت طائرة فرنسيّة تُقِلُّ (الخمينيّ) إلى إيران عام 1978 معلناً ميلاد (الجمهوريّة الإسلاميّة) وتسلّمه زعامة الشيعة الدينيّة والسياسيّة، وسط معارضة مرجعيّات دينيّة أخرى، رأت في هذا انقلاباً على الإمام (المهديّ) وصلاحيّاته، وتجاوزاً لحدود الدِّين، ولكنّ الخميني قمع هذه الأصوات، ونكّل بالمخالفين له، وبدأ بإجراءات تصدير الثورة الإيرانيّة إلى البلدان المجاورة، ممّا تسبّب في الحرب (العراقيّة – الإيرانيّة) ثمّ احتلال العراق، ومن ثمّ احتلال سوريّة واليمن، ونشر فرق الميلشيّات والموت في عالمنا العربيّ. 
وبذلك تكون عمليّة الخمينيّ هي نقل الشيعة الإمامة من مجرّد طائفة منتَظِرة للخلاص على يد إمام غائب، إلى طائفة سياسيّة تحمل مظلوميّة مزعومة بثارات أهل البيت، والذي سيقوم الشيعة بأخذه من خصومهم السُّنَّةِ المتّهمين عند الشيعة بقتل رموز أهل البيت، واغتصاب حقّ الأئمّة المعصومين في إمامة المسلمين من قبل خلفاء المسلمين.
واستثمرت القيادة الإيرانيّة كلّ ما في التاريخ الروائيّ الشيعيّ من أدبيّات التظلّم والحقد والكراهيّة على أَهلِ السُّنَّة في صناعة أذرع لَها في البلاد العربيّة، كالحوثيّين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وتسعى لأن تمدّ يدها إلى السعوديّة والبحرين، وأمّا العراق فهو محكوم بطريقة مباشرة من المرجعيات الإيرانيّة التي نكّلت بالمرجعيّات الشيعيّة العربيّة، وطردت أنصارها من المشهد السياسيّ. 
ينبغي  أن نعلم أنّ مشروع (ولاية الفقيه) هو مشروع سياسيّ يسعى لمدّ النفوذ الإيرانيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ، بحيث يصبح الشيعة موالين لـ (إيران)، بغضّ النظر عنا انتمائهم الوطنيّ، وينفذون الأجندات (الإيرانيّة) السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، ولو كان ذلك على حساب أوطانهم وبني جلدتهم، على اعتبار أنّ الشيعيّ يجب عليه تقليد المرجعيّة الدينيّة الأعلى في العالم، وهي اليوم في (إيران) ولا يسع أيّ حاكم أو سياسيّ أو اقتصاديّ شيعيّ في العالم أن يخرج عن مشروع هذه المرجعيّة، وأدّى هذا لانتشار الطائفيّة والتكفير الدينيّ، والتعصّب المذهبيّ، واشتغال الأمّةِ بحروب داخليّة تهدم الأوطان، وتفشل مشاريع التحرّر والتنمية في العالم الإسلاميّ، وهذا ما نراه اليوم وقد يمتدّ سنوات عديدة.

 





مشاركة