ملخص كتاب الصراع على السلطة في سورية


الأربعاء ١٩ / كانون الأول / ٢٠١٨ - عدد الزيارات : 1543



ملخص كتاب الصراع على السلطة في سوريّة

نيكولاس فاندام المؤرخ والباحث الهولندي

تلخيص عباس شريفة 

 

1- الطائفية والعوامل الاجتماعية الاقتصادية والإيديولوجية

إن قيام الطائفية والإقليمية والعشائرية بدور جوهري في الصراع على السلطة لا يقلل من شأن العناصر الأخرى كالعوامل الاجتماعية الاقتصادية والإيديولوجية، أو يتغاضى عنها، بل بالعكس، فقد تم إبراز أهمية الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية وإمكانية تطابقها إلى حد كبير مع العوامل الطائفية والإقليمية والعشائرية في حالة الأقليات الطائفية المتماسكة كالعلويين والدروز والإسماعيليين.

إن تداخل الاختلافات الطائفية والإقليمية والاجتماعية الاقتصادية قد يقوى ويبرز التباينات القائمة بطريقة متبادلة.

ومن الممكن توجيه أو حتى إثارة السخط الشعبي والتوترات الاجتماعية الاقتصادية من خلال قنوات طائفية.

لقد كانت الاختلافات الإيديولوجية جوهرية أيضًا، حتى لو أصبحت الأواصر الطائفية والإقليمية والعشائرية خلال العديد من المواقف المتأزمة هي الوسيلة السائدة للحفاظ على الذات والبقاء في السلطة.

فما أن احتكرت جماعة سياسية السلطة وفازت بقاعدة قوية حتى حظيت الأفكار السياسية والإيديولوجية بالأولوية على سياسات السلطة البحتة. 

إن الذين تم إبعادهم عن السلطة بسبب قيامهم برفض تطبيق تكتيكات طائفية أو اقليمية أو عشائرية، استنادًا منهم إلى أسس مثالية، قدحرموا بالتالي من امكانية تطبيق مثالياتهم.

أما الذين استغلوا الطائفية والإقليمية والعشائرية كوسيلة للاستيلاء على السلطة أو الاحتفاظ بها، أو الذين اضطروا لاستغلالها من قِبل معارضيهم، من أجل حماية أنفسهم، فقد أمكنهم فيما بعد التركيز على برامجهم السياسية ومثالياتهم.

 

2- التجانس الطائفي والاستقرار والسياسات

- شهدت سوريّة في عهد الأسد الأب استقراراً داخليّاً، وفاعليّة خارجيّة، ساهمت في استمراريّة النظام، لكن لم يتمّ الإعداد لجيل سياسيّ وعسكريّ جديد يتولّى زمام الحكم بطريقة سلسة وتدريجيّة من البعثيّين القدامى التابعين لعهد الأسد، والأكثر من ذلك الإعداد لعمليّة تحويل ديمقراطيّ طويلة المدى للنظام ممّا كان يعنى أيضًا الاحتمال المستقبليّ الخطير لعدم استمراريّة نظام الحكم في سوريّة. 

- فيمكن اعتبار (صلاح جديد) و(حافظ الأسد) بعثيّين مثاليّين، سعيا منذ الصبا عند انضمامهما لحزب البعث إلى تحقيق مثاليّات القوميّة العربيّة العلمانيّة، والمثاليّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لكن بعد استيلائهما على السلطة تطوّرت لديهما سياسات وأفكار متعارضة، حيث بات (الأسد) أكثر واقعيّة في التصالح مع التجار  السنة وبعض رجال الدين السنة   و كان ( صلاح جديد) أكثر تطرّفاً وراديكالية في  تنفيذ وتطبيق أيديولوجيا حزب البعث.

 

3- القسمة الثنائية بين السنيين والأقليات، بين المدن والريف، وبين الطبقات العليا والدنيا 

عندما تولت مجموعة من البعثيين ذات أصل ريفي وتابعة للطبقة المتوسطة الدنيا أو الفقيرة ومنتمية إلى أقليات دينية الحكم في 1963، أدى ذلك إلى ثور اجتماعية: لقد مرت الأقليات الريفية التي كانت تعاني من التفرقة من قبل، والتي كانت تنتمي إلى أكثر القطاعات تخلفًا في المجتمع السوري، بعملية مفاجئة من التحرر الوطني، فانقلبت العلاقات التقليدية رأسًا على عقب تقريبًا: فبدأ أهل الريف وأعضاء الأقليات الدينية يسيطرون على السنيين المنتشرين في أرجاء المدن الكبيرة ويتسلقون بطريقة سريعة نسبيًا درجات المجتمع الاجتماعية والسياسية.
وما أن وصلوا للسلطة حتى بدأ العلويون والدروز وغيرهم من الأقليات الريفية الذين كانوا يعانون من التفرقة محاباة أفراد طوائفهم والتمييز ضد هؤلاء الذين ظلموهم فيما قبل.

      وقد أدى ذلك إلى حد ما إلى تسوية بين طبقات المجتمع الفقيرة والأغنى نسبيًا، وبين المواطنين الريفيين والمدنيين، وبين الأقليات الدينية والسنيين.

وقد امتعض السنيون الحضريون بالذات من سيطرة أشخاص من أصل ريفي فلاحي عليهم، بغض النظر عن انتماء هؤلاء الحكام إلى أقليات دينية أو كونهم سنيين مثلهم.

 إن تطابق التسلط الريفي وسيطرة الأقليات إنما ازادا من امتعاض السنيين المدينيين.

- وقد كان من الطبيعيّ أن يقوم السنيّون وآخرون من غير العلويّين من معارضي نظام البعث العلمانيّ الواقع تحت سيطرة العلويّين أن يستغلّوا موضوع الطائفيّة سلاحاً لتقويض النظام.

- إن (الأسد) قد أمضى معظم حياته الراشدة في محاولة للهروب من دمج ذاته في خلفيّة من الأقليّات الطائفية، إلا أن واقع  نظامه حتى وقتنا هذا يوحي بفشله بل.

- عندما بدأ أهل الريف وأعضاء الأقليّات الدينيّة يسيطرون على السنيّين المنتشرين في أرجاء المدن الكبيرة، ويتسلّقون بطريقة سريعة نسبيّاً درجات المجتمع الاجتماعيّة والسياسيّة، وما أن وصلوا للسلطة حتّى بدأ العلويّون والدروز وغيرهم من الأقليّات الريفيّة - الذين كانوا يعانون من التفرقة - محاباة أفراد طوائفهم، والتمييز ضدّ هؤلاء الذين ظلموهم من قبل، إن تطابق التسلط الريفيّ وسيطرة الأقليات إنّما زادا من امتعاض السنيّين المدنيّين.

- بعد عام 1970، بخاصّة في الفترة التي بدأ التدخّل السوريّ في لبنان 1976، استغلّت النخبة السياسيّة والعسكريّة سلطتها لتزداد ثراء، وأخذ الفساد يتفشّى داخل الجهاز الحزبيّ والنظام، ولم يكتب للعديد من الحملات التي كانت ترمي لاقتلاع الفساد إلا نجاح محدود جدّاً، حيث كان من الصعب النيل من العناصر الفاسدة من النخبة العسكريّة العلويّة (وأيضًا غير العلويّة) التي كانت تتمتّع بمراكز مرموقة، والتي كانت تنتمي لحاشية الرئيس وما يتبعه، فاتخاذ أيّ إجراء تأديبيّ ضدّ أهمّ مؤيّدي الرئيس كان من شأنه تقويض وضع السلطة ككل، داخل النظام ذاته بشكل مباشر.

- لقد كوّن الضباط العلويّون الأثرياء وعائلاتهم نوعًا من الائتلاف مع البرجوازيّة الثريّة السنية من أهل المدينة، وبالذات مع الدمشقيّين السنيّين، وأيضًا مع آخرين، بما فيهم مسيحيون، وتولّد لدى الأخيرة رغبة مباشرة في الحفاظ على نظام البعث الواقع تحت سيطرة العلويّين، طالما كان بإمكانهم الاستمرار في أعمالهم الناجحة.

 

4- الفشل في اقتلاع الفساد من داخل النخبة العلوية

- إنّ الفساد والشعور بالسخط تجاه السياسات الاقتصاديّة من قبل النظام كان يتسبب في أن ُتحجب الضغائن الطائفيّة ضدّ النظام بفعل الامتعاض من الفشل الاقتصاديّ ومن قضايا الفساد، وفشل سياسة التنمية والعدالة الاجتماعيّة.

- إن أهميّة حزب البعث وإيديولوجيّته أخذت تتناقص تدريجيّاً خلال عهد الرئيس (حافظ الأسد)، بينما ازداد الالتفاف حول شخصيّة الرئيس، كما هو الحال مع زعماء عرب آخرين بالمنطقة.

- وفى الحقبة البعثيّة تطوّرت الفكرة المزدوجة المتناقضة المنافية التي تنادي من جانب برفض الطائفيّة والإقليميّة والعشائريّة رسميّاً، لكونها أفكاراً سلبيّة ومتخلّفة إذ لم تنف وجودها نفيًا كلّيّاً وبتقبّلها من جانب آخر كجزء من واقعيّة الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في سوريّة.

- الحلقة المفرغة التي وجد النظام السوريّ نفسه بداخلها مرارًا وتكراراً لا تزال قائمة: فقد كان لا بدّ للأنظمة البعثيّة المتعاقبة في سوريّة أن يكون لها أداة سلطة قويّة وعصبة متماسكة لتحقيق التغييرات الاجتماعيّة الجذريّة، بما في ذلك قمع الولاءات الطائفيّة والإقليميّة والعشائريّة، ومن جهة أخرى أدّى الاحتفاظ بالسلطة إلى الاعتماد على تلك الولاءات  الطائفية ، ممّا أدّى بدوره وسياسته في الحدّ من قمع النظام  للولاءات الطائفيّة والإقليميّة والعشائريّة بالفشل بل وتحولت الطائفية إلى مكون أساسي من مكونات النظام.

- في سوريّة ذاتها، وخلال الثمانينيّات والتسعينيّات وفي غضون الصراعات المختلفة بشتّى بقاع العالم، ما زال هناك حظر على التحدّث والمناقشة والكتابة العلنيّة والصريحة حول الولاءات والتناقضات والخصومات الطائفيّة والإقليميّة والعشائريّة، بخاصّة في الدوائر الرسميّة القوميّة العربيّة، وذلك لأسباب سياسيّة، وبغضّ النظر عن وعي الشعب الواضح بأهميّة ذلك من عدمه.

 

5- الدين والطائفية

حاول الرئيس حافظ الأسد في العديد من المناسبات بناء صورة دينية تقليدية لنظام البعث العلماني، بالصلاة الجهرية مثلا في المساجد السنية في معظم الأحيان (بما في ذلك الجامع الأموي الشهير بدمشق)، أو الظهور علانية في صحبة كبار رجال الدين السنيين، أو الاقتباس من آيات القرآن في خطاباته.

وقد قام الأسد بتشييد مساجد، بما في ذلك في بلدته القرداحة.

إلا أنه من المشكوك فيه أن تكون مثل هذه الأعمال قد بدت مقنعة لمعظم السكان السنيين، بغض النظر عن صدق نوايا الرئيس السوري.

وحتى إذا كانت المحسوبية والتضامن الطائفي تحفزهما الدوافع الاجتماعية والسياسية البحتة وليس الدافع الديني، فهذا لم يمنع السكان السنيين التقليديين وآخرين غير علويين من اعتبار حكم البعث الواقع تحت سيطرة العلويين كنوع من القمع شبه الديني، رغم أن الأمر لم يكن يبدو هكذا بالنسبة للبعثيينالمسيطرين.

وجدير بالملاحظة أن جزءًا من طائفة السنيين التقليديين كان يعتبر علمانية البعث بحد ذاته بمثابة موقف معادٍ للدين.

إن الجهود التي بذلها المعارضون السنيّون لحشد المعارضة ضدّ نظام البعث الواقع تحت سيطرة العلويّين من خلال قنوات دينيّة ومناظرات لاهوتيّة بدلا من الجدل في شرعيته السياسية، تسبّبت في إثارة التضامن الجماعيّ العلويّ مع النظام، أكثر من إثارة الجدل والخلاف الدينيّ البحت، حول شرعيّة النظام وانتمائه للإسلام.

 

6- امكانيات توسيع قاعدة السلطة الطائفية الضيقة

إن احتمالات وامكانيات توسيع القاعدة الحقيقية للسلطة داخل نظام البعث في سوريا الواقع تحت سيطرة العلويين محدودة نسبيًا في الوقت الحاضر.

فالحلقة المفرغة التي وجد النظام السوري نفسه بداخلها مرارًا وتكرارًا لا تزال قائمة: كان لا بد للأنظمة البعثية المتعاقبة في سوريا أن يكون لها أداة سلطة قوية لتحقيق التغييرات الاجتماعية الجذرية، بما في ذلك قمع الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية.

ومن جهة أخرى، أدى الاحتفاظ بالسلطة إلى الاعتماد على تلك الولاءات، مما أدى بدوره إلى الحد من قمعها.

وبذلك يمكن استخلاص أن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية الجذرية قد تحققت بنجاح تحت حكم حزب البعث، إلا أنه كان من الصعب اقتلاع التقاليد القديمة، وقد باءت محاولات قمع الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية بالفشل.

وتبقى المراكز الحساسة استراتيجيًا وسياسيًا داخل القوات المسلحة وأجهزة الأمن وغيرها من مؤسسات السلطة مقصورة على أبناء الطائفة العلوية، ما عدا القليل من الاستثناءات.

إن العديد من السيناريوهات الخاصة بتغيير الصبغة العلوية القوية التي يتسم بها النظام أمر يمكن تصوره وتغيره، ورغم أنه لا يصح استبعاد هذا الاحتمال كليًا، إلا أنه لا يبدو محتملا أن تنقشع السيطرة العلوية تدريجيًا وسلميًا ليحل محلها نظام يتسم بقاعدة أوسع، دون اللجوء للعنف.

فإن مشاعر الانتقام بين هؤلاء الذين عانوا من قمع حكم البعث الواقع تحت سيطرة العلويين مازالت قائمة، وستبقى معارضة السنيين بمثابة خطر محتمل يهدد النظام في المدى الطويل، طالما استمرت السيطرة العلوية.

 

7- التوعية البعثية والواقع السياسي: الرفض والقبول بالطائفية

في ظل الاستقلال السوري، امتدت فترة الحكم البعثى منذ 1963 تقريبًا لضعف الفترة غير ونظرًا لأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا يتعدى عمره (1963) البعثية السابقة له (1945) الثلاثين عامًا، فإن معظمهم لم يختبر أو يتعرف إلا على الحكم البعثى، ولم يتعرض من خلال الدراسة ووسائل الإعلام إلا للإيديولوجية والآراء البعثية 

والأفكار التي كانت تُعَتبر منذ أكثر من ثلاثين عامًا أفكارٌ بعثية بحتة، أصبحت الآن بالنسبة للعديد من السوريين جزءًا من الحياة اليومية.

وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإيديولوجية البعثية مقبولة بوجه عام، أو أنها متأصلة في المجتمع السوري، فيما عدا ما قد يمت بصلة لبعض الأفكار البعثية حول القومية العربية، ويمكن استخلاص أن أهمية حزب البعث  وايديولوجيته أخذت تتناقص تدريجيًا خلال عهد الرئيس حافظ الأسد، بينما ازداد الالتفاف حول شخصية الرئيس، كما هو الحال مع زعماء عرب آخرين بالمنطقة، وفى الحقبة البعثية تطورت الفكرة المزدوجة المتناقضة والمنافية التي تنادى من جانب برفض الطائفية والإقليمية والعشائرية رسميًا لكونها أفكارًا سلبية ومتخلفة و لم تنف وجودها نفيًا كليًا وبتقبلها  من جانب آخر كجزء من واقعية الحياة السياسية والاجتماعية.

 

8- استمرار حظر مناقشة الطائفية علانية

رغم أنه كان يفترض أن الهويات والولاءات القومية العلمانية والاجتماعية الاقتصادية كانت تحل  محل تلك الطائفية وغيرها من الهويات الأولية الإجتماعية في أيام العز للعروبة العلمانية الإشتراكية، إلا أنه فيما بعد أصبح شائعًا الجدل بأن العوامل المذكورة أخيرًا هي القاعدة الحضارية الأكثر طبيعية للسياسة في الشرق الأوسط.

إن الاهتمام السياسي خارج سوريا بموضوعات مثل الطائفية والإقليمية والعشائرية، بجانب الهوية العرقية والتنوع، أصبح بارزًا أكثر مع الإنبعاث الجلي لمثل هذه العوامل وما يمت لها بصلة.

أما في سوريا ذاتها، خلال الثمانينات والتسعينات في غضون الصراعات المختلفة بشتى بقاع العالم فما زال هناك حظر على التحدث والمناقشة والكتابة العلنية والصريحة حول الولاءات والتناقضات والخصومات الطائفية والإقليمية والعشائرية، خاصة في الدوائر الرسمية القومية العربية، وذلك لأسباب سياسية، وبغض النظر عن وعى الشعب الواضح بأهميتها.

للتحميل اضغط هنا





مشاركة