فوز ترامب يثبت أن أمريكا بلوتوقراطية .. - عبد الرحمن جليلاتي


الأربعاء ٠٨ / اذار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 5846



في تعليقه على فوز ترامب قال المفكر الأمريكي اليساري نعومي تشاومسكي "إن انتخاب ترامب هو نتيجة مجتمع متداع وماضٍ بقوة إلى الهاوية" واعترف تشومسكي "أن انتخاب ترامب يثبت تحول النظام الحاكم في الولايات المتحدة من دولة ديمقراطية إلى دولة بلوتوقراطية" (حكم نخب الأثرياء)، وتابع تشومسكي " الأمر يتعلق بالتغيير الجذري الذي يطرأ على المنظومة الساسية في أمريكا فالولايات المتحدة هي دولة الحزب الواحد ذي الوجهين السياسيين حزب رجال الأعمال ولم يعد مهماً ماذا يسمى بعد أن اتجه الحزبان نحو اليمين"!.
واعترف تشومسكي بأن الوضع في أوروبا أسوأ من الولايات المتحدة من حيث صعود اليمين المتطرف وما يمثله ذلك من خطر على المنظومة القيمية التي يحاول الغرب أن يثبت بها تفوقه الأخلاقي على باقي أمم وشعوب الأرض.
وأعتقد أن كل ذي لب لا يختلف مع ما ذكره السيد تشومسكي ولكننا يمكن أن نختلف معه في ربطه نجاح ترامب بتحول أمريكا للبلوتوقراطية فأمريكا ومنذ مدة طويلة هي كذلك وإذا أردنا أن نكون دقيقين أكثر فمنذ أن بدأ عصر التلقين وهو العصر الذي دخل به التلفزيون كل بيت وسيطرت نخب المال على الإعلام بدأ التحول الأمريكي حتى بلغ ذروته في انتخاب ترامب
يثبت تصاعد اليمين في العقد الأخير في معظم الدول الغربية ما أشار له تشومسكي في أن تلك المجتمعات تسير نحو الإنهيار بثبات وأن مسألة نشوب ثورات في تلك الدول هي مسألة وقت فقط لا غير لأن التاريخ يثبت لنا أن كل الإمبراطوريات التي حكمت العالم وحتى الإسلامية منها كان عصرها الذهبي هو عصر الانفتاح والترجمة والثراء العلمي الناتج عن تعدد الأعراق واختلاطها داخل الدولة بندية ودون تمييز أمام قوانين العدل، وفي المقابل كل الدول التي بنت نظام حكمها على العرق الواحد أو على الحزب الواحد كان مصيرها الفشل ولم تقدم للبشرية أي اختراعات أو علوم تذكر.
وكما نشهد تقهقر المجتمعات الغربية وانحدارها نحو الهاوية عبر الانغلاق واستعادة منظومة الأعراق والأحزاب الفاشية البالية فإننا في نفس الوقت نشهد في الجارة تركيا صعوداً ثابتاً في منظومة القيم من خلال التشجيع على قبول الآخر بل والانفتاح على الأعراق الأخرى ومحاولة دمجها في رحى التطور الاقتصادي التركي، ثم منح الجنسية لتلك الأعراق لتكون رافداً ليس فقط اقتصادياً بل أيضاً لتكون جزءاً من منظومة النهوض بالأمة لاحقاً.
لقد انتهت الحقبة القومية في تركيا وكانت أخر حلقاتها هي لحظة إنتقال "طغرول توركيش" من الحركة القومية إلى العدالة والتنمية في آب عام 2015 وهو إبن مؤسس حركة الذئاب الرمادية القومية! 
هذا الانتقال عملياً هو ترك التقوقع القومي والإذن ببدء عصر الإنفتاح على الآخر المختلف القومي ودمجه في منظومة النهوض ليشكل قيمة مضافة يثري به المجتمع الذي ستتحول مدنه بعد فترة قصيرة إلى مدن عالمية متنوعة بتنوع سكانها، وهذا ما نرى بوادره في بعض مدن تركيا اليوم وأهمها اسطنبول والتي سمح لها أن تكون ملجأ كل المضطهدين من دول الجوار العربي ( العراق وسوريا ومصر) ومن الجوار الأسيوي ثم البدء في توطين هؤلاء عبر منح الجنسية التركية لهم ثم إعادة انتاجهم ليكونوا سفراء للدول التي يتكلمون لغتها ويفهمون طبعها وتكوينها. 
هذه السياسة ستكون نتائجها إيجابية ليس على المدى القصير فحسب بل على المدى الاستراتيجي أيضاً ومن غير المنطقي القول إن مثل هذا التخطيط هو فقط من أجل مكاسب انتخابية لضمان استمرارية حزب ما أو حصر أهدافه بأهداف محدودة بل هو خطة نهوض يسعى القائمون عليها لاستعادة التوازن في العلاقات الدولية بشكل عام عبر الإشارة بشكل واضح إلى الظلم الذي وقع على الأمة الإسلامية جراء التقسيم غير العادل لمجلس الأمن والذي عبر عنه أردوغان صراحة أكثر من مرة مطالباً بإعادة النظر في تلك القوانين والتقسيمات الدولية لتكون أكثر عدلاً.
في النهاية فإن الإشارة إلى التغير الحاصل في الغرب من الجنوح لليمين لا ينبغي أن ينظر له بعين التشاؤم أبداً إذ إن ذلك يعطي حافزاً لنا لننحاز بشكل واضح إلى خيار بناء الأمة القوية ذات الرأس الذي يكون بمثابة البوصلة والقبلة التي يلتجئ لها الانسان في حالة الضعف وتلك حالة طبيعية فمن أدوات الدفاع الذاتي اللاإرادي عند الإنسان (الانتماء للأقوى) في حالة الإحساس بالخطر الوجودي والذي نشعر به اليوم كشعب عربي استشعر الخطر مبكراً في ظل أنظمة ربما تكون استشعرته بوقت متأخر جداً.





مشاركة