هل ستعود الخلافة؟ - حسن الدغيم


الثلاثاء ١٤ / اذار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1664



أثار إعلان البغداديّ للخلافة موجة حادّة من الجدل الفكريّ والسياسيّ، حول مدى مشروعيّة هذا الإعلان، من حيث المصداقيّة الشرعيّة، أو الواقعيّة السياسيّة، أو المصلحة الثوريّة:
ماهي الخلافة؟: 
أولاً: الخلافة صورة للعقد السياسيّ الذي تسند الرعيّةُ من خلاله السلطة إلى الحاكم، على أن يحرس الدين ويدير أمور الدنيا. 
- هل جاء الإسلام بصيغة منصوصة عن نظام الحكم أم ماذا؟
لم يحدّد الإسلام في مصادره التشريعيّة من كتاب وسُنّة طريقة نظام الحكم، إنّما رسّخ قيماً سياسيّة ناظمة، مهيأة لإحداث نظام حكم رشيد، فيما لو تمّتِ المحافظة على هذه القيم وتفعيلها في حياة الناس.
فلقد تحدّث القرآن الكريم عن قيمة الشورى فقال (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
وقال تعالى في آل عمران: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).
ولكن الشورى هي قيمة سياسيّة أخلاقيّة، تتنزّل وفق كلّ عصر بما يتناسب وسياقه الظرفيّ زماناً ومكاناً وطبيعة، المهمّ هو الحفاظ على روحها وجوهرها، وهو الرضا والاختيار، ومنع التحكّم، ومصادرة الآراء. 
وتحدّث القرآن الكريم عن قيمة الأمانة والكفاءة في قصة ابنة شعيب وموسى عليه السلام فقال تعالى على لسانها في سورة القصص (قالت إحداهما: يا أبت استأجره، إنّ خير من استأجرت القويُّ الأمين).
والأمانة تعني الجانب الخلقيّ السامي، والقوّة تعني جانب الكفاءة والمقدرة، وجاء في صحيح مسلم (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثمَّ قال: يا أبا ذر! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها). 
وتحدّث القرآن عن قيمة العدالة فقال في سورة النساء: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).
وهكذا نرى أنّ القرآن والسنّة لم يحدّد طبيعة محدّدة وصارمة لنظام الحكم، وإنّما ترك للاجتهاد الجماعيّ للأمّة، ومات صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يسمّ الخليفة بعده.
مراحل الخلافة: مرّت الخلافة بمراحل عديدة، اختلفت فيها آليّات تداول السلطة: 
1- من بيعة أهل الحلّ والعقد كبيعة أبي بكر.
2- ومن ثمَّ العهد مع البيعة كبيعة عمر بن الخطاب.
3- ومن ثمَّ انتخاب من لجنة مركزيّة وعموم المسلمين كبيعة عثمان.
4- ومن ثمَّ بيعة أهل الحلّ والعقد بالمدينة كبيعة عليّ. 
5- ومن ثمَّ بيعة بالتوافق السياسيّ، كتنازل الحسن لمعاوية.
6- ومن ثمَّ وراثة لابنه يزيد.
7- ومن ثمَّ كانت بين التغلّب والتوريث، والشورى ضمن رجال الدولة، ويسير عليها عامّة المسلمين.
إلى أن انتهت عام 1924حيث تمّ الإعلان عن نهاية الحكم بنظام الخلافة الإسلاميّة، ثمَّ انقلبت الخلافة قضيّة أشبه بالحلم الجامع للمسلمين، يسعون -على اختلاف حركاتهم- لإعادة إحيائه. 
هل يمكن إعادة نظام الخلافة؟ وإن كان الجوابُ (لا) فلماذا لا؟. 
من حيث الإمكان العقليّ ليس هناك شيء مستحيل بهذا الموضوع، فممكن أن تعود الخلافة أقوى وأشدّ.
ولكن من حيث الإمكان الواقعيّ والسياسيّ، ووفق الصورة الذهنيّة المرتبطة بذهن المسلمين، خلافة تمتدّ من الهند إلى الأندلس، ويحكمها خليفة واحد، يأتيه الخراج من كلّ بقاع الأرض، ولاتغيب عن ملكه الشمس، فهذا مستحيل لعدّة اعتبارات:
أ‌- تفرق كلمة المسلمين إلى شيع وأحزاب ومذاهب وقوميات، تأسّست على أساسها دول مستقلّة. 
ب‌- تفرّق المذاهب إلى مدارس فكريّة متناحرة في كثير من الأحيان. 
ت‌- التخلّف المدنيّ والعلميّ للمسلمين، وسيطرة الجهل والفقر والتخلّف على غالبيّة المجتمعات المسلمة، يقابله تطوّر تكنلوجيّ رهيب عند غيرهم، بخاصة في المجال العسكريّ والمعلوماتيّ.
ث‌- تغيير الطبيعة السياسيّة للعلاقات الدوليّة، وانتهاء عصر الإمبراطوريات، ورسم حدود الدول وتقييدها بالاعتراف والمعاهدات الدوليّة الخارجة عن قرار المسلمين والمتحّكمة بهم.
كل هذا يجعل من إعادة مجرد المحاولة في إعادة نظام الخلافة هو ضرب من الإرهاق والعبثيّة للشعوب المسلمة، وإدخالها في حروب لا تنتهي، وغالب هذه الحروب ستكون بينيّة وداخليّة.

(ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة فتكون ما شاء الله أن تكون)
وماذا عن بشرى النبي صلى الله عليه وسلم (تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوّة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثمَّ يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثمَّ تكون ملكًا جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوة، ثمَّ سكت) رواه أحمد 
الجواب: 
هذا الحديث اختلف العلماء بالحكم عليه، بين الصحّة وما دون ذلك، وبخاصة (ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوة ... وهي محور البشرى). 
والدليل متى طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، يعني ممكن أن يكون صحيحاً، وممكن أن يكون غير ذلك، وعليه فالأمر فيه سعة واجتهاد، وليس فيه لزوم وحصر، فمن أحبّ أن يستبشر بعودة الخلافة فله ذلك، ومن رأى ذلك مستحيلاً، فلا إثم عليه، وأمّا أن تتحوّل القضيّة إلى قضيّة اعتقاد تفرّق بين المسلمين، ويضرب بعضهم رقاب بعض، فهذا المستجلب لغضب الله المعتدي على محارمه.

إذن .. ما هو نظام الحكم الأفضل الذي يمكن للمسلمين أن يتعاطوا من خلاله الحكم؟.
الجواب:
على المسلم دائما أن يوازن بين أحلامه وواقعه حتّى لا يصاب بالإحباط واليأس، والواقع السياسيّ اليوم كما شرحنا آنفاً لايمكننا كمسلمين من تنفيذ مانريد بدون إدارة جادة للخروج من الأزمة الحضاريّة التي نعيشها، وعليه نرى أنّ أفضل طريق للمسلمين أن يعملوا ضمن الممكن، وأن يخوضوا التجارب السياسيّة المعاصرة ضمن المشاريع الوطنيّة، ويساهموا بنهضة دولهم وشعوبهم، محاولين قدر الإمكان أن تكون الشريعة الإسلاميّة بقيمها وأحكامها ونظمها مرجعيّة لهم في شؤونهم السياسيّة.

المعيار الذي ينبغي أن يتوفّر في نظام الحكم حتّى نقول إنّه نظام حكم إسلاميّ:
بغض النظر عن مدّة الحكم وعن طريق التولّي، وعن صفات الحاكم، فكلّ هذا خاضع للاجتهاد، والمهمّ أن يتوفّر شرطان وهما: 
1- الإسلام مصدر التشريع. 
2- الأمّة مصدر السلطة.
يعني السيادة للشريعة والسلطان للأمة.

أهم الأخطاء التي وقع به تنظيم الدولة بإعلانه الخلافة: 
أ‌- قيامه بالإعلان عنها دون الرجوع للأمّة والشعب، إنّما كانت بتولية بعض أنصاره غير المعروفين للناس، وغير الموكّلين بالمهمّة منهم.
ب‌- الظرف الزمانيّ الذي تعيشه الأمّة من ضعف واحتلال.. غير مهيّأ بتاتاً لقيام دولة الخلافة، بينما قامت في عصرنا الأول بعد استقرار الدولة.
ت‌- جعلهم مسألة الخلافة مسألة عقديّة، متعلق بمسائل الإيمان وهذا غير صحيح بتاتاً، فالخلافة مسألة سياسيّة اجتهاديّة تابعة لمشورة الناس، وصلاح أمرهم، ولا علاقة لها بالإيمان.
ث‌- ما أدى إلى الحرام فهو حرام، ولقد أدّت إلى إشعال حروب بين المسلمين راح ضحيّتها آلاف الأبرياء.
ج‌- تلبس الخلافة بالتكفير والغلوّ، والتخوين للمخالف، وجعله عدوّاً بمجرّد عدم البيعة للخليفة.
ح‌- انتهاجه سبيل التغلب والقهر، وإجبار الناس على البيعة قسراً، وتخييرهم بين ذلك وبين السيف.
الخلاصة:
1- ليس هناك نظام حكم إسلاميّ محدّد يجب لزومه، وإنما قيم مرعيّة وهيكليّة متغيّرة. 
2- الخلافة مسألة سياسيّة اجتهاديّة، وليست مسألة من مسائل العقيدة والإيمان. 
3- السيادة للشريعة، والسلطان للأمّة، هما ركنا الحكم الإسلامي الرشيد، مهما اختلفت صوره.
4- بعد تفرّق المسلمين وضعفهم وتناحرهم، لا يتصوّر قدرتهم على إعادة نظام الخلافة لفوات شروطه وظروفه. 
5- حديث الخلافة على منهاج النبوّة إن صحّ، فهو بُشْرى وخبر، وليس أمراً واجباً تضرب رقاب الناس به. 
6- لا تلزم البيعة بالخلافة لرجل لا يتّفق عليه أهل الحلّ والعقد في الأمّة. 
7- على المسلمين السعي، العمل السياسيّ، والنهوض بالوعي الشعبيّ، وتحقيق مكتسبات سياسيّة في بلدانهم، بدلاً من الانشغال والاقتتال على أحلام تصل لدرجة الوهم.





مشاركة