التغلب السياسي بدعة ضالة - عباس شريفة


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 910




بسم الله الرحمن الرحيم
فبايعوا التي تبغي !
في الوقت الذي يضيق فيه الخناق على ثورتنا اليتيمة، وتقاسي من أمرّ صور الخذلان والتخلّي، وتتوالى عليها النكبات، وتزداد فيها الجراح والآلام، والتي من المفترض أن تدعونا للكفّ عن الصلف والكبر، وارتداء أزياء الزور والاستعلاء، وأن نعتبر بما يجري، فيحدونا المشهد القاسي لنشد عضدنا ببعض، ونعطف على بعض، كفصائل ثائرة في وجه الطغيان، جمعتها أخوّة الإيمان والبندقيّة.
لكنّ الذي حصل هو تكرار الخطأ، كما في كلّ مرّة عند قراءة النكبة واستخلاص العبر بطريقة منكوسة، كتلك العقول المسطّحة، وتفسير ما حدث أنّه نتيجة للخيانة والعمالة من الفصائل الأخرى، مع إعطاء صكّ الطهوريّة والتزكية للذات. 
هذه القراءة هي ذاتها القراءة التي كان يخرج بها الطغاة العرب، أمام كلّ هزيمة مع الصهاينة، ليلقوا بالتبعية على المعارضة السياسيّة، وينتهزون الفرصة في تصفية كلّ من يعارض مشروعهم السياسيّ تحت ذريعة القضاء على الخونة والعملاء والرجعية.
إنّ البغي والسطو الذي يسمّونه (التغلّب)، زوراً وبهتاناً والذي بدأ ينتشر في ذهنيّة الفصائل وإخفائها (تقيّة) بمبرّرات شرعيّة لذريعة تحقيق مقصد اجتماع الكلمة بالسيف والغلبة، بعد العجز عن جمعها بالدعوة والكلمة، يضع الثورة السوريّة على حافة الهاوية والفناء الذاتيّ، ويضع الثورة السوريّة في سياق الاحتراب الداخليّ، الذي لا ينتهي إلا بإفناء أخر ثائر من الساحة الثوريّة، أو أن يلقي سلاحه بعد أن يشعر بمرارة الذلّ والخذلان.
لقد كانت نزعة التغلب والعدوان عند بعض الجماعات، عائدة إلى الخلط العجيب بين ما وقع في تاريخ المسلمين من ممارسات سياسيّة، وبين جعل هذا الذي مورس في التاريخ حكماً شرعياً متّبعاً ليسوّغوا به عدوانهم الأرعن، وليلبسوا البغي والعدوان مسوّغات التغلّب السياسيّ.
وما حقيقة التغلّب الذي يقصدون، إلا جريمة طغيان تغتصب فيها إرادة الناس بالحديد والنار, وتسفك فيها الدماء لشهوة السلطان والإمارة, ويعاد تأهيل النظام من جديد, وينفدُ خزّان الثورة الاستراتيجيّ من الشباب الثائر، الذي سيلقي سلاحه وهو يرى نفسه محاصراً بين براثن النظام الطاغي من أمامه، وبراثن الفصائل الباغية من ظهره.
ولكنّ أصحاب بدعة البغي - في الغالب - لا يصرّحون بأنّهم يمارسون التغلّب كحكم شرعيّ، وإنّما يعطون لأنفسهم ذرائع مقبولة مثيرة لعاطفة الجماهير، من التخوين والتسقيط، فيجمعون بذلك بين التقيّة والبدعة وتشريع البغي والعدوان.
ولو حاكمناهم على أصل الفكرة، وقلنا لهم: أين التغلّب! وأنت لا تستطيع فكّ الحصار عن نفسك؟ أين التغلّب وأنت لا تستطيع إطعام الناس؟ أين التغلّب وأنت لا تأمن على نفسك حيث تنام؟ أين التغلّب، والبراميل تنهال على أهلك؟ أين التغلب وأنت تسطو على سلاح من يدفعون عن أنفسهم؟!.
لقد كان المُلجئ للفقهاء في إجازتهم لولاية المتغلّب، هو الاضطرار لمّا اختلّ نظام الحكم، واضطرمت الصراعات على السلطة، حينها لم يجد الفقيه سبيلاً لإسكات صوت الفتنة إلا بإجازة حكم المتغلّب بحكم أنّها أخفّ الضررينِ، ومن باب الرضا بالأمر الواقع، فلماذا غدا هذا المسلك الاضطراريّ لحسم الصراع على السلطة مسلكاً يلجأ له بعضهمْ والأمة تخوض معركة الحريّة وإسقاط النظام والأمّة بلا سلطان ولا منعة؟.
إنّ المسلك الشرعيّ الحصريّ والوحيد لانعقاد الإمارة واجتماع الكلمة، هو (الشورى) عن رضا وحريّة من كلّ الثائرين المجاهدين، وكلّ ماعدا ذلك فهو بدعة ضالة، واتباع لخطوات الشيطان، تمهّد للخروج عن القيم السياسيّة للشرع الحنيف، وتدخلنا في وادي الذئاب، وشريعة الغاب يكون الحكم فيها المخلب والناب.
ولقد بتنا نلحظ التناقض العجيب فيمن يشنّع في أنكار البدع، ويدّعي صفاء المنهج، ونهج النبوّة، ثمّ يأتيك بأم البدع والشرور، ويزيّن لفصيله مسلك التغلّب والقهر من دون الفصائل، بحجّة جمع الكلمة، فلا يزيدها إلا فرقة، وبحجّة ائتلاف القلوب، فلا يزيدها إلا نفرة، ولكن عندما يقع البغي على فصيله وبالمسوّغاتِ نفسها، ستسمع صوته العالي الذي يستنكر البغي ويدعو لتحكيم الشريعة.
وهناك من يقع في النظرة الأحاديّة في تقدير الأمور، فهو يرى بعين عوراء مفاسد الفرقة والتشتّت، ولا يرى مفاسد الاستبداد والتغلّب والبغي التي تفوق مفاسد فرقة الكلمة، لتضيف لفرقة الكلمة نفرة القلوب، والنظر للباغي نظرة العدوّ الغاصب، وتوجه البنادق والحراب لصدور المجاهدين، وتنشغل عن عدوّها الجاثم على صدرها.
من فصائل الساحة الثوريّة، من أشربت في قلوبهم المسالك الداعشيّة، في حسم خلافات الساحة السياسيّة بالغي والعدوان، ولكن بفارق واحد هو التغلّب بدون تكفير ظاهر، واحياناً مع تكفير مبطّن غير معلن.
هذه الازدواجيّة تظهر عند بعض الفصائل، مع تغير منسوب القوّة لديها فهي في مرحلة الضعف تنادي بالشورى، وتجعلها ملزمة واجبة، وفي مرحلة القوّة تدفع نحو التَغلب والبغي، بحجّة اجتماع الكلمة، فلا يزيد فعلهم المنكر صدور الناس إلا حقداً وغلاً، ولا يزيد الجراح إلا نزيفاً، ثمَّ يقولون لك: تعالَ لننسى الماضي، ونبدأ من جديد، وسيف البغي لا يزال مشرعاً على رقاب الأحرار، يبتغي سلاحهم ومالهم، دعني من سلاحك المنهوب، دعني من كرامتك المنتهكة, دعني من دمك المسفوك، وتعالَ لنعود أخوة من جديد.
بعد أن استشرى في الساحة السوريّة نقض العهود، والتلاعب بشرع الله تعالى، كانت عقوبة الأولى تسليط العدو علينا، وعقوبة الثانية أن جعل بأسنا بيننا. 
إنّ سياسة أبناء يعقوب في البغي على يوسف، ليخلو لنا المكان في تصدّر الثورة والجهاد، ثمَّ نسير بسيرة الصالحين لمحو سيئة البغي، بحسنة بعدها عاقبته الذلّة والصغار.
لأنّ الطموح السياسيّ الحالم، والجنون بمظاهر السلطة الفارغة، ووهم التمكين الزائل الذي يزينه من يلبسون البغي ثوب التغلّب المشروع، سرعان ما يتحوّل بصاحبه إلى انتحار سياسيّ وسقوط أخلاقيّ من شفار جرف هار لا قيام بعده.
(إنّ الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى) قد أعفيناكم منْ أنْ تقابلونا بالعدل معنا، والإحسان إلينا، وإيتاء ذي القربى ...
وصار قصارى ما نطلبه منكم الكفّ عن الفحشاء والمنكر والبغي، 
لكن الذي فعلتموه كما قال أحد الظرفاء: فبايعوا التي تبغي !...... ولا غرابة أن يبايع الباغي مكافأة على بغيه، فنحن في عصر المفاهيم المنكوسة ...
...... لعلكم تذكّرون ...
انتهى





مشاركة