مشروع أمّة أم وطن؟ - حسن الدغيم


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 2926



كلّنا -لا شكّ- نحلم بعودة هذه الأمّة إلى سابق عهدها، من السؤدد والغلبة الحضاريّة والريادة في العالم , وظن بعضهم أن تحقيق ذلك يكون فقط بأن ترفع الأعلام، وتدبج لها الأشعار والخطب، وتمنتج الإصدارات , وماهي إلا معارك بسيطة هنا وهناك، والنظام العالمي سينهار ويأتي خاضعاً لإرادة المسلمين.
- وعليه فيكفي تجمّع بعض المجاهدين ليضعوا ميثاقاً لتحرير العالم، باستدعاء عاطفي لصورة أمّة خلت لها ظروفها وسياقاتها, وعندما يرتطم هذا المشروع السطحي الحالم بصخرة اليأس والإخفاق، تبدأ المراجعات والمعاذير، ثم تمحى الذاكرة، لتعاد الكرة من جديد، بأنّنا نريد تحرير الأمّة. 
-وعندما تنبه الشباب المسلم للمحارق التي يُجرّ إليها بلا رؤيّة ولا رويّة، رأى أن يمارس حلمه بعودة الأمّة إلى سيادتها على نطاق الوطن الصغير, فتكاتف هؤلاء بمشاريع وطنيّة صغيرة معقولة المعنى، وممكنة التحقّق، وتتلخّص بتحرير الشعوب المسلمة من عروش الاستبداد، ومعالم الظلم، وبثّ قيم الحريّة والعدالة والكرامة، وربما اختار بعضهم طريق الثورة، كما في بلدان الربيع العربيّ، واختار بعضهم المشاركة السياسيّة، بغيّة التغيير من الداخل، وتخفيف الفساد.
وليست المشكلة هو ما واجه هذا الشباب الواعد من جيوش الطغاة والمستبدين فقط، وإنّما ما واجهم من أصحاب مشاريع الأمّة، والمقاومة العالميّة بأنّكم من أنصار (سايكس بيكو)، وأنّكم تدعون إلى قوميّة ووطنيّة وَثَنِيّة، وأنّه لا بدّ من إعلان الحرب والعداوة على العالم كلّه، وإلا فالقتال تحت راية عِميّة.
حتى لو أقاموا المحاكم الشرعيّة، وطبقوا الشريعة، فإنّهم مميّعة منحرفون عن الجهاد، ولو كان ذلك على حساب تدمير شعب كامل، وسحق عظامه. 
والأخطر من ذلك أن يزجّ بالتفسيرات الدينيّة الخاصّة، لتصبح قواعد لا يمكن خرمها أو تجاوزها، فلا رخصة ولا تعقل لواقع، ولا مراعاة لموازنات، ولا دراسة لتجارب، ولا استفادة من تجربة، ولا تبصّر بما أصاب الأوّلين. 
كل هذا لا يدلّ على تمسّك بالشريعة وأهدابها، ولا عمل حقيقي لتمكين المسلمين في أرض الله، وإنّما هي في أحسن الأحوال مراهقة في السياسة، وتهوّر في الحرب، وفوضى في إدارة الصراع، إن لم نقل: إنّها توظيف سياسيّ، أو عمالة مبطّنة.
أليس الوطن حاضن الثقافة وهو الأهل والذكرى وبأمنه ورقيه يأمن المسلم ويرتقي أليس هو جزء من الأمة التي نريد أن تنهض من جديد فكيف لا يكون مشروع. تحريره وإعماره بالعدل والإنصاف والكرامة، هو نفسه مشروع الأمة الواعد، الذي تحاول الحركات الإسلاميّة صياغته منذ 100 عام دون جدوى. 
ولما قدر ربنا سبحانه وتعالى أنّ السياسة من المتغيّرات، ولاسيّما إدارة الصراع، لم يلزمنا يقالب معيّن صلب للتعامل مع وسائلها المتغيّرة، فلا مشروع الأمّة هو المقدّس، ولا مشروع الوطن، ولا السلميّة ولا العسكريّة وإنّما ما هو ممكن تحقيقه بأعظم الإنجازات، وأقلّ الخسائر، ضمن معطيات الواقع المشاهد، وليس المتخيل والمفترض، والذي دأب الكثير منا على تصوره بلا قوانين ولا سنن، وأنّه عرضة للخوارق، واللمسات السحريّة الخفيّة. 
لكننا نركّز على أنّنا في عالم رسمت فيه حدود الدول، وله قوانينه الصارمة، ولسنا نحن الأساسيين في وضعها للأسف, حتى نخرقها متى نشاء، وليتنا نفعل، وإنّما نقع في حمأة التنظيم الوظيفي، لمخالب هذا النظام نفسه، ونساعده في تمويل شركات إرهابه ودماره، بمشاريعنا التعبويّة، وخطابنا المتجاوز للقدرة.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا التعقّل في السياسة، والثبات في الحرب، والحمد لله ربّ العالمين. 
انتهى

تفريغ نصي من برنامج #جدل_سياسي





مشاركة