الجدل حول الدولة المدنيّة - حسن الدغيم


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1075



 

 


بسم الله الرحمن الرحيم
نتكلّم بلمحات سريعة عن هذه الموضوعات، التي من المفترض تأجيلها لتخفيف آثار التكفير، والحدّ من تأثير مصفوفاته المعلّبة والمجهّزة، لتضرب أيّ مشروع تحرّر وطنيّ من المحتلّين، بذريعة التمسّك بأهداب الشريعة، ورمي كلّ فصيل يخرج منه تصريح، ولو كان دبلوماسيّاً أنّه يؤمن بالدولة المدنيّة لمستقبل سوريّة، وهذه الكلمة كافية عند بعضهم لتكفيره، واستحلال دمه، وإن كان قائد فصيل فسلاحه غنيمة لاشكّ في ذلك.
لا نريد أن نتوغّل في معاني الدولة المدنيّة، ولكن الظاهر والشائع أنّها الدولة التي يكون مصدر السلطة فيها الشعب، وليس العسكريّين الذين يحكمون بمنطق القوّة، وليسوا رجال الدين الذين يحكمون بالتفويض الإلهيّ ومحاطين بالقداسة، وتمنع مراجعتهم فضلاً عن عزلهم. 
ومفهوم هذه الدولة نشأ في الغرب ردّاً على تسلّط الكنيسة على الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، ومن القطع أنّه لا قياس بين الحكومة بنظر الإسلام، وبين الحكم باسم الحقّ الإلهيّ عند الكنيسة، فالحكومة في الإسلام غير معصومة وتخطىء وتصيب وتعزل، وبالتالي هي حالة مدنيّة من هذا الجانب، حيث يملك الشعب مساءلة قادته وعزلهم وحسابهم. 
الذي نريد التركيز عليه 
أنّه لا يمكن فضّ الاشتباك في معارك الاصطلاح، مالم نعلم المسافة الدقيقة بين الممكنات والمطلقات، أي بين ما هو من القطعيّات، التي ينبغي العمل على الوصول لها بالصورة المثلى، وبين ما يمكن قطعه من الطريق لتلك المأمولات, والتمييز أيضاً بين الاعتقاد والسياسة، فالعقيدة لا تقبل التنصيف والنسبة، ولا أنصاف الحلول، وأمّا السياسة فقد بني شأنها على المقاربات، لا على الحتميّات، بل السياسة كلّها من قبيل الوسائل والآليات، من إدارة ورعاية وحراسة تستطاع ولا تستطاع,
وتطبيقاً في موضوعنا هذا نقول: 
ربّما يضطر السياسيّ المسلم في معترك الثورات والحروب، أو معترك التوافقات والمحاصصة أو الإعلام والتوعية السياسيّة، يضطر إلى القوالب السياسيّة المعاصرة، التي يحفل بها عالمنا الجديد، من مصطلحات المدنيّة والديمقراطيّة والتعدّديّة وغيرها، ليحاول تمرير سلّة المطالب الممكنة، وتحقيقها دون أن يكون بذلك مؤصِّلاً ومجوّزاً لمشاريع قد تكون في مضامير منها تتنافى وعقيدة أمّته، أو تناهض شريعتها. 
فعندما نقول: نحن نقبل بدولة مدنيّة؛ كقولنا عندما نقبل بدولة ديمقراطيّة، وكلا القبولين هو ضمن ما نعتقده من ثوابت الإيمان، وركائز الأمّة ومنظومتها القيميّة، محاولين المقاربة السياسيّة بين هذه الأنظمة للخروج والمرور بمشروعنا من حال الاستعصاء والانهيار أو الفوضى والتمزّق.
وليس هناك أيضاً من يلزمنا بفهم معيّن ومحدّد لهذه المعاني حمّالة الأوجه، والسؤال المطروح: لماذا نستخدم هذه القوالب مادمنا نعتقد أنّ الكمال في مصطلحاتنا؟. 
وهو سؤال وجيه، والجواب عليه من ناحيتين: 
الأولى: إنّ الصيغ السياسيّة الإسلاميّة ماتزال للأسف غير محرّرة ومبسوطة، إلا في برامج الحركات الإسلاميّة المتنافرة، وليس من شأنها -وهي بحالة هذا الشتات- أن يصاغ منها مشروع كامل وناضج قابل للإقناع والتداول، وإنما ما يزال في نمطيّة الشعارات والأهداف العليا، دون التعرّض التفصيليّ لمناحي النظم السياسيّة والاقتصاديّة، وتموضع الدولة القطريّة المتاحة ضمن العالم. 
الثانية: أنّنا في محيط من الناس، حولنا أعداء ومتصيّدون، وأنظمة متغوّلة وحكومات مستعمرة، تنافسنا في وجودنا وحياتنا، ولسنا مستعدّين لأن نخوض معهم كلّ معركة حتّى تنهك القوى، وإنّما نحاول التسرّب من شقوق هذا العالم الذي لا نملك فيه أسباب القوّة، لما يشهده عالمنا الإسلاميّ من دواهي التخلف في كافّة الأصعدة. 
ولهذا كانت الرخصة والعزيمة، وفقه الاستضعاف والتمكين، وفقه الموازنات والمآلات، ليقاس كلّ شيء بقدره، ولا يقدّم شعار مع فوات مضمون، ولا يتمسّك بعنوان، مع تمزيق الرسالة، ولا يقطع الظهر بالمشادّة، ولا تخرق السفينة بالانفعال، 
ولاشك أنّ أهم ما نخرج به من فائدة ليس هو الاقتناع بأنّ هذه المصطلحات السياسيّة المعاصرة مثاليّة، وإنّما المراد ألا نتعامل بسطحيّة، فنقيم في كلّ يوم حفلات التكفير والتأثيم، للسياسيّين المتأوّلين الراغبين في تمكين المجتمع المسلم، والحفاظ على الحدّ الأدنى من حقوقه، في وسط هذا الجحيم الطائفيّ والعدوانيّ الذي تتعرّض له الأمّة، نسأل الله تعالى دوام الأمن والأمان على أهلنا وأوطاننا والحمد لله ربّ العالمين. 
انتهى

تفريغ نصي من برنامج: #جدل_سياسي


 

 

 





مشاركة