حتميّة النصر بقلم - عبدالرحمن جليلاتي


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1419



 


بسم الله الرحمن الرحيم

الثورة هي انتفاضة ضدّ الواقع، رفض لهيمنة الأفكار المعلّبة الجاهزة، المستوردة منها والقديمة الموروثة، هي رفض للاستبداد ومفرزاته، ومن كلّ أشكال التبعيّة، هي انبعاث أمّة، وسيرٌ نحو التغيير، ولا يمكن أبداً أن تنتصر ثورة لا تقلب المجتمع رأساً على عقب، لتخرج أسوأ مافي هذا المجتمع، وأحسن ما فيه. 
وإذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أنّ المجتمعات لم تنهض إلا بعد أن واجهت بشكل مباشر خاطراً هدَّد وجودها، فجنحت نحو البحث عن الحلّ الذي يكون فيه الخلاص لهذه الأمّة، وعندما تهيمن فكرة الخلاص، يبدأ طريق النصر، ويتشكّل وعي المجتمع، وينصب ميزان الحقّ والعدل، وتبدأ النهضة. 
عندما يبدأ المجتمع بالبحث عن الخلاص تصل الثورة إلى أهم منعطفاتها، وهي القدرة على جمع شتات هذا المجتمع، ولا يتمّ ذلك إلا إذا تمّ توفُّرُ ثلاثة عوامل وهي:
1- الأشخاص. 2- والجغرافيّة. 3- والوقت.
وهذه العوامل الثلاثة، هي ذاتها العوامل التي بوساطتها تصنع الأمم حضارتها، فلا يمكن أبداً أن تبدأ أمّة بصنع حضارتها، مالم يعمل كلّ أفرادها على ذلك، فالحضارة هي نتاج مجتمعات، وليست نتاجَ أفراد، ومهما بلغ الفرد من العبقريّة، فلا يمكنه وحدَهُ أن يصنع حضارة، ولا يمكن صنع حضارة ما، من غير أن ينصهر جميع أفراد المجتمع في مشروعها. 
وبغضّ النظر عن النظرة المتشائمة لدى بعضهم، إلا أنّ هناك مجتمعاً ثوريّاً قد تمّ تشكله، هذا المجتمع بدأ بتنظيم نفسه، وهذا التنظيم لن يبلغ مداه حتّى تتكوّن ثوابت مشتركة لدى أبناء هذا المجتمع، هذه الثوابت هي القيم المجتمعيّة التي سيبني المجتمع عليها حضارته لاحقاً. 
فلو أنَّ الثورة انتصرت قبل أن نكتشف زيغ بعض الفرق، التي تتدثّر بالشعارات الخادعة فلن يلبث المجتمع وقتاً طويلاً قبل أن ينكص، ويقع مرّة أخرى في أتّون الموت السريريّ، لأنّ اختلال القيم يوقف عجلة الحضارة، فلا حضارة بدون تآلف مجتمعيّ كامل، وهذا تحديداً ما حصل في بعض المجتمعات التي عادت مرّة أخرى إلى الموت السريريّ، بعد أن سلّمت للاستبداد مرّة أخرى. 
فبعد الكوارث الكبرى، تزول الفوارق الطبقيّة والمناطقيّة، التي كانت تشكّل حاجزاً صلباً بين مكوّنات المجتمع، وتمنعه من التآلف، فهذه الكوارث تجعل المجتمع كالبنيان المرصوص، وقد عرّف (مالك بن نبي) هذه المرحلة بـ ( المرحلة الروحيّة )، وهي المرحلة التي يبلغ فيها المجتمع سنّ الرشد، فيتحرّك جميعاً بشكل غريزيّ، كأنه صفّ واحدٌ ضدّ من يعاديه، ويتشكّل نظام دفاع مجتمعيّ تلقائيّ، هذا النظام يصل لاستنتاجات بدهيّة فيما يخصّ العدل والصواب والخطأ، فلا يعود هناك ثغرة لتنفذ الأفكار الغريبة إلى داخله، وتعمل على تخريبه، بل يكتسب المجتمع مناعة تحصّنه من تلك الأفكار الهدّامة (التي تمنع الإنسان من الاندماج في العالم المتحضّر، فتفقده قيمة وجوده، وهي الدعوة إلى الله بالفعل، امتثالاً لأوامره واجتناباً لنواهيه، فيستحيل نموذجاً يعيش بين الناس، ينظرون له نظرة إعجاب واحترام، ويتمثّلون به، فيتحقّق بذلك الهدف من وجودنا على هذه الأرض )، وما يلبث أن يطرد أصحابها وينبذهم ويبدأ نهضته الحضاريّة. 
فالتحضّر كما عرفّه (مالك بن نبي) هو ( أن يتعلّم الإنسان كيف يعيش في جماعة، ويدرك في الوقت ذاته الأهميّة الرئيسيّة لشبكة علاقاته الاجتماعيّة، وفي تنظيم الحياة الإنسانيّة، من أجل وظيفتها التاريخيّة) فتحضر الإنسان الفرد في هذا المجتمع، شرط أساسيّ لتكوّن مجتمع متحضّر، وما ينطبق على الفرد وتعايشه مع محيطه الإجتماعي، ينطبق على المجتمع، فالمجتمع المسلم المتحضّر هو مجتمع لا يمكن أن يكون انعزاليّاً ولا بأيّ شكل من الأشكال، لأنّ الانعزال يمنع الناس من المفاضلة بين نموذج الحقّ الذي يقدّمه المجتمع المسلم المبنيّ على إعلاء القيم الإنسانيّة، وبين المجتمع الآخر، الذي تنعدم فيه القيم الإنسانيّة، هذا هو جوهر الدين. 
إنّ حركة المجتمع ككلّ باتجاه هدف واحد، يتمثّل في إزاحة نظم الاستبداد، وكلّ الأشكال المنبثقة عنه هو مؤشّر قويّ على أنّه وصل للعصر الذهبيّ، وهذا لا يعني أنّه بلغ إزدهاره أبداً، بل يعني أنّ قواه جميعها في حركة دائمة بشكل تصاعديّ، وهذه الحركة الديناميكيّة هي التي يدان فيها كلّ تقاعس، تماماً كما حصل مع الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك في المجتمع الإسلاميّ الناشيء.
إنّ تسلّل اليأس إلى بعض النفوس، رغم أنّه انطباع بشريّ عاديّ إزاء سقوط الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوّة، هو أمر مقبول من عامّة المجتمع، إلا أنّه لايمكن قبوله أبداً من النخب المثقّفة، التي تعي كلفة النهوض الباهظة، وتدرك أنَّ بقاء الاستبداد يعني دفع أضعاف مضاعفة مستقبلاً، وهو أمر لن يحصل أبداً – بِإذنِ الله تعالى - طالما أنّ أبناءنا باتوا يسيرون بثبات نحو التحضّر.
انتهى

 





مشاركة