درعُ الفرات .. صداقة من طرف واحد - محمد ديرانية


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 5490




بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ انفعال الناس إزاء أيّ مأساة طارئة تحدثُ على خطّ الثورة، كمجزرة طارئة كبيرة، أو خسارة منطقة جديدة .. يدفعهم لتبنّي معيار تقييميّ، يحدّدون من خلاله مدى اصطفافهم من عدمه، مع أيّ عمليّة يمكن أن تقوم بها قوّة ثوريّة مهما كان نوعها أو مكانها ( عسكريّة - إعلاميّة - إغاثيّة - سياسيّة ).
حيث تجعلهم حالتهم النفسيّة وانفعالهم .. يحيلون تأييدهم لهذه العمليّة من عدمه، موقوفاً على المقدار الذي تخفّف به هذه العمليّة من المأساة الطارئة، كالتخفيف من أعداد القتلى في المجازر، أو استعادة المناطق التي تمّت خسارتها مؤخّراً، أو ملء الفراغ السياسيّ الذي خلّفته هيئةٌ ما مؤخّراً، بعد أن عوّل عليها المجتمع فترة.
و إذا لم يكن هناك ارتباطٌ مباشر بينها و بين إيقاف المأساة، فإنّها تُضافُ إلى خانة السيئات، و المؤامرات المحاكة ضدّ الثورة. 
***
هدف الدرع اليوم الذي لا تجد فصائلها سبباً لإخفائه، هو محاربة (داعش) و الحزب (الكرديّ) فقط، و تأمين مساحة آمنة بمقدار(5000) كم مربع بحسب المُعلن، مع العلم أن فصائل الدرع حاربت (الأسد) و (داعش) و الفصائل الكرديّة طوال السنوات السابقة، و هي اليوم على مشارف مدينة (الباب) لقتال (داعش)، بعد أن هزمته في معركته "دابق" التي جعل منها رمزيّة دينيّة. 
لقد سيطرت (داعش) وحدها بفترة من الفترات على 40 % من المساحة المحرّرة، و كادت أن تبتلع نصف الثورة، بوجود حالة من الحيرة والشلل الفقهي لدى الثوار إزاءها؛ كما سلمت للنظام عشرات المناطق بعد تحريرها من الثوّار. 
ومثلها كان موقف الأحزاب الكرديّة، في الاصطفاف مع المستبدّ ضدّ الثائر المناضل، وكثيراً ما كانت القوات الكرديّة تطعنُ الثوار بخاصرتهم في مجمل مشروعهم .. المتجه لإقامة كيان كرديّ يصل بين ضفتي الفرات، كوباني و عفرين، و أثبت كلاهما أنها مجرّد وجه آخر من أوجه الاستبداد. 
تتألف مكوّنات درع الفرات، من فصائل عديدة غالبها قاتل ضد الأسد طوال السنوات السابقة، و بعضها لا يزال: ألوية المعتصم و الحمزة و السلطان مراد وفيلق الشام، والزنكي والتحرير والنصر وصقور الجبل وتل رفعت والجبهة الشاميّة ولواء الفتح، و يجدرُ ذكرُ أنّ ألوية المعتصم و الحمزة و آخرين خاضوا قبل معركة الدرع، معركة حصار مارع 1-8-2016 وحدهم ضدّ تنظيم الدولة والأكراد و النظام معاً، في معركة واحدة تناوب النظام على قصف مارع خلالها، لإضعاف الخطوط الدفاعيّة للثوار، وحملهم للتسليم، ذريّة بعضها من بعض. 

الموقف السلبيّ لجزء كبير من الحاضنة الشعبيّة إزاء الدرع، يعودُ لعاملين:
الأوّل: عدم وضوح أهدافها كما يجب، وقلة الاعتناء الإعلاميّ بها، واعتياد الحاضنة على تأييد الخطوات ذات الأهداف الواضحة، والمشحونة عاطفيّاً.
وهنا اعترافٌ بتقصير المسؤولين عن الدرع بتأدية مهمّة التوضيح، الأمرُ الذي لا تنكره فصائل الدرع. 
ثانيها: معيارُ قياس مدى ثوريّة أيّة خطوة ثوريّة بمدى تخفيفها من المجازر، وهنا يجب التنويه بأنّ مساحات الألم واسعة، والثورة تمتدّ على جغرافيّة واسعة، وكثيرٌ من العمليّات الثوريّة لن تكون ثوريّة بهذا المقياس لكونها لم تلتحم بالمحرقة، و تتلقى المجزرة عن صاحبها.
**
تنظيف الريف الشمالي لحلب من خلايا داعش و الأكراد و النظام، وتأهيله كمنطقة آمنة للمدنيين، محميّة جوّاً من قبل تركيا .. هدف الدرع الرئيسيّ. 
سبق و أن قامت درع الفرات بدعوة الفصائل بإدلب الانضمامَ إليها، لتحصينها من جرائر الفتاوى الملطّخة بالدم، والمحافظة عليها، وعلى الرغم من أنّ إجابة هذه الدعوة غير متاحة، لأن الدرع محصور بجفرافية محدّدة، يلزمُ لمن ينضمّ أن يتواجد فيها، أو يذهب إليها، و ثانيها لأنّ موقف الجوّ العام لا يزالُ مشحوناً و ينظر بعين الغموض
للدرع، الأمر الذي يجبُ على الدرع أن يسهم بتخفيفه عبر التواصل و الإعلام والتوضيح. 
الدّرع هي حال بين غرفة العمليات المشتركة، وأقلّ من التوحّد الكامل، إلا أنّها شريكة باتخاذ القرار، هذه المرّة مع الجيش التركي، الذي يرى بوجود داعش و الأكراد على حدوده الجنوبيّة خطراً يهدّده أمن تركيا، خصوصاً بعد أن كانت كيليس و كاركاميش في متناول مدافع داعش قبل انطلاق الدرع، ومحاولات الأحزاب الكرديّة الوصل بين ضفّتي الفرات. 
**
منذ عامين.. و النظام لجأ إلى القتال عبر أذرِعَتِه، داعش و الأكراد و الفتاوى المُضرَّجة بالدم، هل تبقى بعد عامين للنظام غير أذرعته كسلاح في يده ؟ 
خدشُ اليوم ألمُ الغد و جرحه العميق، وإذا تُركَ الذراعُ لينمو، استحالَ جسداً على مائدة أطباقها أشلاء الثوار و دماؤهم، و قتالُ الأذرعُ ممثلاً بداعش و الأكراد قتالٌ شريفٌ يحرقُ أوراق النظام، الذي لم يتبق منه رمقٌ غير رمق معاونيه وأذرعه، و من يحقّقون أهدافه مجاناً، لاسيّما أنّهم سبق أن مهّدوا له استرداد عشرات القرى و البلدات التي حرّرها الجيش الحرّ. 

***
صداقة من طرف واحد هي درع الفرات .. 
بين الجيش الحرّ والحاضنة، صداقة لم تكتمل ولادتها، امتدت فيها كفّ واحدة للمصافحة، و يكتنفُ الأخرى الشكّ والغموض. 
جزء كبير من الحاضنة الثوريّة يرفضُ بانفعاليّة تخلّفها لديه المجازر الدامية.. تجاوزَ مبادئ السياسة التي تكون الخدمات المتبادلة فيها لاتفاق المصلحة، و لذا فسبب حيّزٍ كبير من السخط على الدرع هو تعاونها مع تركيا المسخوط عليها أصلاً من كثير من الناس، لعدم دخول جيشها لقلب نظام الحكم.
من أبجديّات السياسة أن الدول لا تدعمُ مجاناً، أو أن تجازف بمواقفها ومصالحها ومخزونها البشري والاقتصادي مدفوعةً بموقف أخلاقي فقط، دون دراسة للتعبات التي ستخلّفها خطوتها. 
لكلّ الدول مصالح، وميزان أخلاقي كذلك يحدّد اتجاهات سياساتها ومواقفها، لكنّه ليس وحده من يحدّد المواقف، وإنّما بمقدار ما تتّفقُ مصلحته مع موقفه الأخلاقيّ، إلا أنّ أبجديّات المجازر والألم لا تدعُ مجالاً للمكلوم والمفجوع، لقراءة مشاهد الدمار والحزن، والإقدام والإحجام في ضوء المبادئ والمعايير السياسيّة. 
الدرع .. هي المولودُ الذي كان عليه أن يختار زمناً آخر للولادة، إن أراد كسب وإقناع الحاضنة به بسهولة، ولأنّ الثائر خلقَ ليعاني ويقضي حياته غريباً، ولأن الرجوع عن الولادة محال، فأمام الدرع مهمّة توضيح الواضحات، وشرح المشروحات، وإثبات أفضليّة مشروعها الثوريّ بين فوضى المشاريع، وأمام الكفّ الأخرى التروّي، وعزل انفعالات النفس، وقراءة أجزاء الصورة كاملاً. 
**
كثائر غريبٍ يمشي في ظلام لا ضوء على مقربة، ضميره يهتف به: تقدّم. والآخرون بأسئلة كثيرة مشكّكة.
نزغ الأصدقاء، وبأس العدو، سيفان يتناوبان الغرز بنفس الجرح. 
في أبجديّات الحياة، أن تعيشَ صداقة من طرف واحد إهانة، لكنّها في عُرفِ النضال ألمٌ للغرابة، يُضافُ إلى الرصيد لا أكثر.





مشاركة