بين الغلاة والصحوات - حسن الدغيم


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 2920



 

 


علّمنا تنظيم القاعدة، وبخاصة فرع تنظيم الدولة، أنّه كلّما التهم فصيلاً وقضى عليه، يُخرج صكأ من صندوق الفتاوى المعلبة، بأنَّ هذا الفصيل أسس لقتال الإسلاميّين, ...
ويأتي ذلك من شعور منتسبي هذه التنظيمات بأنّهم وكلاء عن الإسلام، وأنّهم الحماة والأوصياء على أهله، فحروبهم هي حروب الأمّة، ومعاركهم هي معارك الدين، ولاشك أنّ هذا انحراف نفسيّ، وعصبيّة حزبيّة مقيتة، تحتكر الحقّ، ولا ترى الرشد إلا فيما تقول وما هذا إلا مذهب فرعون ( ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ). 
ولذلك يحكمون على أيّ فصيل يقاتلهم بأنّه يقاتل الإسلام وأهله، ويتظلّمون ويشيعون هذا حتّى ينخدع بهم السذّج. 
ونحن في كلامنا هذا لا ندافع عمّن باع نفسه للشيطان، ولا تبريراً لأن يتحوّل الثائر إلى بندقيّة للإيجار في حرب وكالة، لا ناقة له فيها ولا جمل. 
ولكنّنا بنفس الوقت يجب أن نقطع على الغلاة حججهم التي يوهمون بها بسطاء الناس، بأنّهم إنّما قاموا لقتال المحتلّين، فوقفت الصحوات في وجههم، وبدؤوا يقولون: خلوا بيننا وبين النصيريّة، وخلوا بيننا وبين الأمريكان، حتّى إذا خلينا بينهم تركوا المدن وسلّموا أهل السُّنَّة لأعدائهم. 
صحيح أنّ من الناس من يذهب للعمالة حبّاً وطوعاً، لا ردّه الله ولا عافاه، ولكن منهم من يدفع لها دفعاً، عندما يظلم من ذوي القربى، وأبناء الجلدة ورفقاء السلاح، وهذا ليس أمراً مبهما، فهذه أرض العراق وسوريّة تضجّ بعشرات الأدلّة لكلّ ذي بصيرة.
كيف قام تنظيم القاعدة بالفتك بالمقاومة العراقيّة كتيبة كتيبة، وفصيلاً فصيلاً، والآخرون يتورّعون في دمه، حتّى دُفع الكثير منهم لأن يطلبوا السلاح من المحتلّ لحماية أنفسهم من الأخطار المختلفة، بينما حادَ المخلصون عن الساحة، وصاروا لاجئين في دول الجوار، وتكرّرت المسألة في سوريّة، حذو القذّة بالقذّة والشعرة بالشعرة.
- إنّ العبرة ليست بالأسماء والشعارات، وإلا لكانت إيران جمهوريّة إسلاميّة، وكان حزب الله حزباً إسلاميّاً، فهما أكثر من يتمسّح بالإسلام، ويتغنّى بالشعارات، وحتّى الأسماء لم تشفع لأصحابها، فكلّ الفصائل في البلدين كانت تظهر هويّتها الإسلاميّة بوضوح، وتقيم المحاكم الشرعيّة، وتشرف عليها هيئات شرعيّة نافذة، رغم ذلك اعتبرها القاعديّون فصائل عمالة وصحوات للغرب، وأذرعاً لتنفيذ المخطّطات الأمريكيّة، في المنطقة ليسوّغَ التهامها. 
- إنّ ما يقوم به الغلاة من خلال تنظيماتهم المختلفة، وبخاصة تنظيم القاعدة، ليس فعلاً عشوائيّاً، بل سياسة مدروسة، ومخطّط معدّ، ينبع من اعتقادهم أنّهم الأقرب فهماً عن الله، وأنّهم الجماعة الأولى بالاتباع، ولا ينظرون إلى الفصائل الأخرى، إلا على أنّها عوائق في وجه مشروع الخلافة الإسلاميّة، التي يرفعون شعارها، بينما تسود حال من التردّد والارتعاش في طرف الكتائب والقوى الثوريّة الأخرى، تنشأُ عن التورّع في دماء إخوانهم، فما لهم إلا أن يلقوا السلاح ويعزفوا عن المواجهة، ومن ثمَّ ليس أمامهم إلا التهجير والتغريب، ومنهم من يندفع بدافع الثأر والانتقام إلى أحضان العدوّ، ليتحوّل إلى أداة بيده.
- فمن يصنع الصحوات إذاً؟: 
من جاء بـ (كرزاي)، ومن جاء بـ (حفتر)، ومن صنع (أبا ريشة). 
إنّه بكلّ صراحة ضيق الصدور، وتوارث الأحقاد، وأدلجة الثورات، وأزمة القلوب، وتضييق الواسع، والقصور السياسيّ الرهيب. 
هل كلّ من دخل العمل السياسيّ خائن؟ 
هل كلّ من اجتهد في أن يدفع المفاسد عن شعبه بالسياسة خائن؟ 
هل من رأى أنّه ليس بالسلاح فقط تحسم المعركة، وتقطف الثمرة خائن؟ 
إن الهدنة أو الحرب أو السلام أو العمل الساسيّ أو التفاوضيّ أو المشاركة أو المخالفة كلّ هذا لا يوصف بالحِلّ والحرمة، بلفظ مجرّد عن سياقه، وإنّما يحلّ منه ويحرم ويكبر ويصغر بحسب المسار والجدوى، وليس من أحكام مسبقة معلبة لمثل تصرفات كهذه، ولا مدخل هنا للبحث في النوايا وأصول الاعتقاد، لإخراج الناس عن دينهم، وإنّما نراقب العمل فإن أحسن السياسيّ دعمناه، وإن أخطأ قوّمناه، وإن انحرف إلى ما لا يمكن قبوله جفوناه، وحذّرنا من سبيله، فهو أمر يسعه الاجتهاد وتمليه الضرورة، وليس فقط نتعاطى معه من خلال مصفوفة فكريّة واحدة، وقالب جامد لا نتعداه، وهو تكفير كلّ من خالفنا، والرمي به إلى أحضان العدوّ من جديد ..........
أعاذنا الله وإيّاكم من سوء المنقلب، وللحديث بقيّة نلتقي لإتمامها إن شاء الله تعالى.
انتهى 

تفريغ نصي من برنامج #جدل_سياسي 

 

 





مشاركة