خواطر من وحي الثورة مقالة - محمد ديرانية


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 972



 


يجب أن لا تقودنا رغبتنا باستنهاض همم الجيل الجديد و إحياء عزائم شبابه، إلى استخدام التاريخ استخداماً خاطئاً، و ذلك بإبراز مناقب السلف دون مثالبهم، و سلخهم من طبيعتهم البشرية، تلك الطبيعة التي يتصارع فيها المثلُ و المثال، و تتجلى فيها معاناة الإنسان غير المعصوم النفسية للارتفاع إلى مستوى المبدأ .. و بروزِ ثنائية النهضة و الوقوع، و الزلل و القيام، و المعصية و التوبة، و الخطأ و الرجوع .. 
فإنّا إن فعلنا ذلك و اقتصرنا على ذكر المناقب دون المثالب ؟ و أوهمناه بوجود ملائكةٍ بهيئة بشر ؟! 
فإنّ مُختصر ما أسديناه من خدمةٍ، هو إشعار الخلفِ بتقصيره، مع تقنيطه من تقليد السلف، و بالتالي .. التأسيس لحالة
الانفصام.
***
دخل علي عزت بيجوفيتش السجن بعد نشره كتاب 'البيان الإسلامي' في ظل نظام شيوعي، و بعد انهيار الاتحاد السوفياتي 1991م و خروجه من السجن، و السماح بالتعددية السياسية في يوغسلافيا، سارع الرجل إلى تأسيس حزب، سماه 'حزب العمل القومي'.. 
و بعد تفكك يوغسلافيا، و التصويت لصالح استقلال البوسنة و الهرسك، شنت صربيا و كروات حرباً على البوسنة.. تشبه كثيراً حرب سوريا، مات فيها ١٠٠ ألف و تهجر مليونان. 
ليقوم علي عزت بعدها بإيجاد حلّ لوقف الدم، و هو تشكيل مجلس رئاسي يدير البوسنة، مؤلف من ممثلين عن الصرب و الكروات و البوسنة، و شغلَ هو دور الممثل عن البوسنة، ووقف شلال الدم. 
توفي الرجل عام ٢٠٠٣م ..
)لقد تفاعل الرجل مع واقعه، و فهم مرحلته، و أنّ الأولوية لوقف الدم لا لاستقاليته بإسلامية الدولة)
***
الثورات التي تنهض بالشعوب من سبات تمرُّ بمرحلتين اثنتين .. 
مواجهة الذات و مواجهة الخصوم ..
و لا تنتقل الثورة إلى مرحلة مواجهة الخصوم بشكل رسميّ حتى تنتهي من مواجهة عيوبها و نقاط ضعفها الذاتية و معالجتها، و ترتيب بنيتها من الداخل بشكل يناسب الصراع. 
الثورة السورية كأي ثورة أخرى، قامت بفتح جبهتين على نفسها بذات الوقت..
جبهة العيوب الداخلية و جبهة الخصوم الأصليين .. 
لكنها لليوم، لم تزل في كثيرٍ من أجزائها عالقةً في الجبهة الأولى، فضيّقت على نفسها الخيارات، و أفقدت الثقة بها كثيراً من الحلفاء و الأصدقاء.
ربما لا تزالُ هناك فرصة لتعويض ما خسرناه، لكن المتناحرين من فصائلنا مغيبون عن هذه الحقيقة.
***
من تنتظر الناس منه الكلمة لتبني عليها موقفها، موقوفٌ على ثغر كبير، و مسؤولية جسيمة، و من واجبات ثغره القاهرة .. أنه يلزمه أن ينحي حالته النفسية إذا ما كانت سلبية جانباً، و يعالج يأسه و إحباطه صامتاً، و لايبوح بيأسه للعموم .. لئلا يُحبطَ وراءه من يثقُ برأيه و فكره.
****
لا يمكنُ الثّقة بالإمكانيات السياسية لقائد ما، ما لم يكن مُضطلعاً في العلوم و الأبحاث الإنسانيّة و التاريخيّة، بالإضافة إلى الرصيد الطبيعي "فما فوق" المندوب له من المعلومة الدينيّة.
الاعتقادُ بأنّ الاقتصار على المعلومة الدينية، كافٍ لتمليك صاحبه المهارة و الأهلية اللازمة للقيادة، و إكسابه ميزاناً قويماً في النظر و التحليل والقيادة .. 
إشكاليةٌ توضّحها مُفرزاتُ الوقائع بوضوح، و التي أثبتت أنّ أسرعَ النّخب انخداعاً بالوعود و الدعايات، و أبطأهم اكتشافاً لها، كانوا من أولئك المُركّزين على المعلومة الدينية، دون التحصيل الإنساني و الفكريّ العام.
و أنّ أكثر النُّخب ثباتاً و خبرةً على الصعيد السياسي في إطار المُمكن، هم أولئك الذين مَشَوا بخطوط متوازية في التحصيل الإنساني و الدّيني معاً.
***
إن كان تحليلُ الحرام، يهدّد صاحبه بالخروج من دائرة الدين، فإن تحريم الحلال يهدد الدين نفسَه بإخراجه من نفوس الناس جميعاً .. بعد أن تأنفه و تلفظه فطرتُهم بصورته الجديدة المُتوحّشة.!

 

 





مشاركة