جذور الداء والدواء عين على أحداث الغوطة - عباس شريفة


الخميس ٠٤ / أيّار / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1191



 


لست هنا في مقام القاضي الذي يجرم ويبرء لكننا في مقام التحليل والتوصيف للواقع الذي وصلنا له نبتغي الوصول إلى التشخيص الصحيح للوصول إلى العلاج الناجع

ولا بد هنا من الغوص في الجذور قليلا فما أظنه أن الفكر السياسي السني بات أشبه بالبناء المفخخ القابل للانفجار أمام أدنى شرارة من التعبئة والتحريض و وهو مشبع أصلاً بكثير من التأصيل والفتاوى التي تشرعن القتل والقتال بين المسلمين لدواعي كثيرة غير رد الصائل وكف الاعتداء والبغي أغلبها يعود لحالة الهوس في تصنيف الطوائف والفرق مع أن الاصل في الكلام عن دماء الموحدين هو التضيق والتعامل وفق قاعدة الاضطرار والرد بقدر الضرورة دون توسع فيه

لكن عندما يكون الشرعي والأمير يحمل نفسية الجزار فإنه لن يبحث إلا عن فريسة وضحية يلتهمها في سبيل المجد الشخصي المغلف بشعارات التدين فنحن اليوم نحصد نتائج تأصيلات ومطويات صنعتها المضخات الشرعية للفصائل والجماعات الإسلامية التي سممت كل ما يجمع أهل السنة من مشتركات عامة وقضت على الاصطفاف السني السني وجعلت من الحالة السنية حالة نظرية ليس له من واقع وزرعت بذور الاحتراب السني

فعندما تؤصل أن الفصيل الفلاني مرتد أو مرجئ أو مبتدع فأنت بشكل من الاشكال تدعوه إما للسكوت والإقرار أو أن يواجهك بتأصيل أخر وهو أنك تدين بعقيدة الخوارج والعكس صحيح و هو بذلك لا يملك خياراً أخراً

فإما أن يقر على نفسه بالردة والكفر الذي رميته بها أو سيرد عليك ويصفك بأنك خارجي تكفر وتبدع بدون مكفر أو مبدع كذلك عندما تتهم الأخرين أنهم خوارج فإن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد بل ستخلق ثقافة مضادة تقاومك ويبوء بالإثم من يبدأ هذا المعترك الخطير أولاً ويشعل النار في هشيمه

نحن اليوم أيه الإخوة نحصد بذار الشوك الذي زرعه البعض منذ 2012 عندما بدأت تلك الدروس السرية التي تسمى دروساً شرعية وهي في حقيقتها أقرب إلى علم الجريمة المنظمة التي يظن من يقوم بها أنه لا يسمع بها أحد وحال الفصائل أنها تعيش حالة من الاختراق المتبادل والدروس التي تصنف الساحة وتحرض وتحشد الجنود ضد الفصائل الأخرى تسجل وتحال للأمنين ليتم اتخاذ التدابير اللازمة ضد ها بمزيد من التثقيف المضاد من الطرف الأخر

أتوقع أن الامر لن ينتهي عند هذا الحد وأتوقع مزيد من الحروب والدماء في قادم الأيام ربما تكون ضد الأشاعرة أو ضد الصوفية أو ضد السلفية وكل من لم يبايعنا فهو مستهدف لأنه من المبتدعة أو الخوارج ولا نعدم أن نجد من يطيخ لنا فتاوى طازجة شهية لتبرر قتال خصومنا السياسيين ممن ينافسون على المشروع الإسلامي لإزالتهم من الساحة

تحت تهم العمالة والخيانة والتميع والخارجية

للإنصاف ليست القاعدة هي الوحيدة التي تحمل هذا المزاج المشوه وإن كانت تتحمل الوزر الأكبر بل هو منتشر في عموم المدارس السنية بنسب متفاوتة

وإن لم نسرع لمعالجة هذه القضية بعيداً عن العقلية الأمنية التي استساغت تتبع عورات المسلمين والتجسس عليهم وتتبع عورتهم والتأصيل لذلك موجود حتى في كتاب إدارة التو حش الذي يدعو لبث العيون حتى بين الجماعات المسلمة المخالفة

إن مصيبة التعامل الأمني بين الفصائل أنه يحرك دوفع الاقتتال قبل أن يدخل خصمك في الجرم المادي للاعتداء كرد على اعتداء محتمل وكثير منها يقوم على معلومات إما ظنية أو مغلوطة وعندما يبدأ التعامل الأمني بين الفصائل فإن دور القضاء في لجم البغي يصبح من المستحيل والثقة تصير معدومة

إن لم نبادر لرأب الصدع في الثقافة السياسية السنية فسنحصد مزيداً من الاقتتال البعض قد ينشغل بما يحصل بالغوطة اليوم لكننا نتحدث عن ١٠٠ سنة من الدماء سيقاتلنا بها العدو وفق التكلفة الصفرية حيث سنقتل بعضنا بعضا بهذه الأفكار المسمومة التي نحملها كما يحمل حاطب الليل ثعباناً بين حطبه تلدغه وهو لا يدري

واليوم نرى كيف بدأ ينسحب من الميدان من زرع هذه الأفكار من المنظرين والغلاة وبثها بيننا كالسامري وترك السفهاء يعكفون عليها ولازالت تعصف قتلا وفتكاً بنا فكل من يعيش في مجتمع لا يشعر به أنه مصون الدم والنفس وربما يقتل لأدنى سبب سيكون متأهباً للسلاح على مبدأ إن لم تكن ذئب أكلتك الذئاب



إن الأمور وصلت من التعقيد بحيث لم يعد صوت العقل فيها مسموعاً وبينات المشايخ مهما علا قدرهم لا تساوي قيمة الحبر التي كتبت بها مهما حشد لها من الأدلة الشرعية والآيات القرآنية أما م هذا الكم من الجنون المنهجي والكل اليوم يحاول أن يتجه إلى حل النتائج ومعالجتها وهو يغض عن المسببات و المخلقات التي خلقت هذا الواقع والتي أوصلت الساحة الثورية إلى هذه الحالة من التوحش إن الخلل ضارب في الجذور وبدون علاجه لن تصلح الثمرة

فمن ضخوا ثقافة التغلب وتصنيف الساحة وجعلوا الناس طبقات في الدين ورموا الناس بالعمالة والتميع والردة يحصدون اليوم النتائج فمن المسلم به في علوم الحضارات والاجتماع أن عالم المشاريع لا يمكن أن يختل إلا إذا اختل عالم العلاقات ولا يختل عالم العلاقات الا إذا اختل عالم الافكار والقيم

وأكبر اختلال في الأفكار أن نسوق الأوهام والظنيات مساق العقيدة القطعية نوالي ونعادي عليها وأكبر خلل في عالم القيم ممارسة الباطنية والتقية والاستعلاء على الناس تحت تأثير عقدة القداسة وتوظيف هذا الانحراف السلوكي المبرر بالفتاوى المعلبة لننصر بها أفكارنا المنحرفة ومشاريعنا الإقصائية العدمية

الأمر الذي سينسف الثقة بين المجاهدين والثائرين الى غير رجعة طالما تحول الجهاد والثورة الى واد من الذئاب وفقد غالب من فيه خصائصهم الإنسانية فضلا عن ادعاء الأخوة الإسلامية

لذلك يبقى الصلح هو سيد الاحكام في ظل تشعب وتشابك المظالم التي باتت عصية على الإحصاء من جميع الأطراف لكن هناك مسألة خطيرة جداً هي التي تحول أمام أي دعوة للصلح أو أي خطوة إصلاحية وهي غياب أرضية الثقة بين الأطراف لكن ليس من المستحيل أن نعيد جسور الثقة بشيء من التضحيات الصعبة تبدأ من اعادة ما نستطيع من مظالم ونؤخر من الواجهة كل من كان سببا في استقطاب الساحة بمباشرة الأعمال العدائية وفي رقبته دم وبغي 

ثم طرح وثيقة شرف ثوري تحدد الأهداف المشتركة للعمل الثوري و التي يكون الخارج عنها خائنا لمبادئ ثورتنا ففي ظل غياب مثل هذه الوثيقة كل فصيل يحاول أن يُركب للثورة أهدافه الخاصة ويلزمنا بوسائل يراها شرعية ويحظر علينا وسائل يرها محرمة من جهته ثم يوزع ألقاب الخيانة والأمانة على مزاجه ضمان مقايس الشرف التي يفترضها ثم يعطي لنفسه الحق الشرعي للتخوض في دماء المجاهدين بحجة الغيرة على الجهاد والدين إن حالة الباطنية والكيدية وغياب الشفافية والتحزب الجاهلي تجعل الجميع في محل التهمة وإن استمر الأمر على هذا المنوال وبهذا الخطاب فالقادم هو مزيد من الدماء والاقتتال ومزيد من تأهيل النظام ومزيد من إجهاض الثورة وتبديد طاقاتها وأحلامها

والله ولي التوفيق 

 





مشاركة