المثقّف والحياد - حسن الدغيم


السبت ٢٩ / تموز / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1393



 قضيّة الوقوف على الحياد، قضيّةٌ ليست مثارة ضمن البيت الإسلاميّ فحسب، بل هي قضيّة عالميّة، وقد اشتهر عن الثائر الاجتماعي الشهير مارتن لوثر كنغ قوله: (إنَّ أسوأ مكان في الجحيم مخصّص لأولئك الذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقيّة الكبرى).
ويقول عزمي بشارة: (إنَّ الموقف الأخلاقيّ هو الوقوف مع العدل ضدّ الظلم الواضح، ومع الحريّة ضدّ الاستبداد البيّن).
واخترت كلمة مثقف منعاً للالتباس مع من يُطلق عليهم (الشرعيّ) كمصطلح ظهر في الثورة السوريّة للدلالة على المسؤول الشرعيّ المنتسب لفصيل ثائر، وهذا المسؤول الشرعيّ بسبب انتسابه لا يُطالب في الفضاء (الثوريّ) [هل هو: الفضاء الثوري – أم القضاء الثوري؟] الدارج بتحديد موقفه من الاختلاف بين رفقاء السلاح، كأنّه أمر مسلّمٌ به!! وهذا غير سليم فانتساب أهل العلم أو الرأي لفصيل ما لا يعني بالضرورة موافقة حركتهم على الحقّ والباطل، وإنّما يساندهم على الحقّ، ويدافعهم عن الباطل.
على كلّ حال بقي بعض أهل العلم والرأي من التخصص الشرعيّ والكونيّ خارج الأسوار التنظيميّة التي انخرطت في العمل الثوريّ، وحاولوا الوقوف على مسافة واحدة من جميع الكيانات العسكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة، مع بقائهم مضطلعين بتوجيه الرأي العام وصناعته.
وهؤلاء يتعرّضون بشكل دائم لحملات تطالبهم بالتعبير عن موقفهم، إمّا من ناشطين، وإمّا من جيوش إلكترونيّة وهمية، وإمّا من منتسبين إلى فصائل، وغالب ما يُعاب عليهم وقوفهم على الحياد من قضايا التنازع الثوريّ الداخليّ.
وهنا طفت إلى السطح فكرة الوقوف على الحياد، ومدى مشروعيّتها في المعركة بين الحقّ والباطل، فهل فعلاً هناك حياد؟ وإن كان، فكيف ومتى يجب أن يكون؟ وهل الاصطفاف مع أحد المتنازعين مخالف للتوجيه النبويّ باعتزال قتال الفتنة؟ وهو المقصود بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ) متّفق عليه.
وكيف المناسبة مع توجيه الخطاب القرآنيّ وتعاليم النبوة الواضحة الجليّة بوجوب الانحياز للحقّ ضدّ الباطل، وهو من أعظم صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ الوقوف على الحياد بين الحقّ والباطل صفة المنافقين، كما جاء في قوله تعالى: )الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا: أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ؟ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ(?[النساء: 141]، وقوله تعالى: )مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ([النساء: 143].
ومنه تشريع الجهاد، وقتال أهل الحرابة، وردّ الصيال، وقتال البغاة، وقد يكون بين هؤلاء المتقاتلين مسلمون.
لقد علَّق الجصاص في (أحكام القرآن) تعليقاً على حديث اقتتال مسلمين ضدّ بعضهما فقال: (فَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ظُلْمًا، عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْعَصَبِيّة وَالْفِتْنَة).
وقال النوويّ في (شرح صحيح مسلم): ( تُتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى: مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ، أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَ).
وقال الطبريّ رحمه الله: (لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبَ مِنْهُ وَلُزُومَ الْمَنَازِلِ، لَمَا أُقِيمَ حَقٌّ، وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ).
وبحسب هذه المبادئ الهادية فليس هناك شيء يُسمّى الحياد بين الحقّ والباطل، ولابدّ من مواجهة الظلم، بغضّ النظر عن الانتماء، كما أنّه لابدّ من نصرة الحقّ، بغضّ النظر عن الانتماء.
ولكن لابد هنا من التمييز بين الحقّ والباطل، وبين الخطأ والصواب...
ففي الحال الأولى ليس هناك حياد، بل لابدّ من المجاهدة والمناجزة بقدر الاستطاعة، الثائر بسلاحه، والخطيب بمنبره، والمثقّف بقلمه، وأولو السعة بمالهم، وصاحب السلطان بما وسِعَه، حتى يُقطع دابر الباطل، وينتصف الحقّ منه، أو يرتدع ويجنح للسلم، وهذا الموقف الذي يجب على المثقّف اتخاذه من نظام الطائفيّة الكيماويّ المجرم، وحلفائه الإيرانيّين، فقد طغى فسادهم، وعظم خطرهم، ولم يعد خافياً على ذي بصيرة أنهم تربّعوا على عرش الباطل، بل صاروا من رموزه، ولا يقبل قول منِ ادَّعى الحياد بأنّه من باب (هجر الفتنة)، لأنّ الفتنة هي ما يغيب وجه الحقّ والباطل في الصراع، كالنزاع بين قبيلتين أو عائلتين، أو مختصمين على مال أو ساح، وليس النزاع بين شعب على جلاده اللاشرعيّ والمغتصب لحقّ الأمَّة في تولية من تراه ضمن شروط الحريّة والإرادة المتوافرة، بلا ضغط ولا إكراه.
وأمّا في الحال الثانية، وهي الخلاف بين الخطأ والصواب، فهذا يجري بين أصحاب الحقّ أنفسهم، على أولويات الصراع، وتكتيكات المرحلة، فهو ما يجب أن يكون فيه المثقّف حكيماً ومُلمّاً بحيثيّات موقفه، ويشترط فيه ألا يقف فيه على الحياد، بمسك العصا من المنتصف، بل العدل هنا هو الحيادُ، وأن يُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.
فلو بغى طرفٌ على طرف، فأخذ ما ليس بحقّه ولا من صلاحيّاته، فخطوات العدل الأولى أن يسعى المثقّف بين المتخاصمين في الإصلاح، قال تعالى: )وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(.
و وسائل الإصلاح كثيرة، يجب التدرّج بها من النّصح، والزجر، والضغط الإعلاميّ، وجمع المتخاصمين، ومنها المظاهرات التي تخرج لوقف الاقتتال، حتّى يخضع الطرفان للصلح، ويتعافوا أو يتقاصُّوا الحقوق بينهم،أو يخضعوا لقضاءٍ مستقلٍّ، وكلّ هذه الجهود لا تعني الوقوف على الحياد، بل هي ضمن الموقف الراشد، وهو العدل والإصلاح، كما قال الله تعالى على لسان هود: ) إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت(.
فإن أصمَّ أحد الأطراف سمعه عن كلّ نذير ونصيحة، وصمَّم مغتراً على أن يركب سبيل التغلب والسطو، وأن يحتكم للقوّة والسلاح، في حسم موقفٍ مشتبهٍ، لا يتبيّن فيه وجه الحقّ من الباطل، فقد وقع هذا الطرف في دائرة (الظلم والباطل)، ولم يعد في دائرة الخطأ، حتّى يعذر وينصح، فهنا لابدّ من اتخاذ موقفٍ ضدّه، والأخذ على يديه، كما قال الله تعالى: )فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (، فهنا لا يُسمَّى استقطاباً ولا انحيازاً لطرف على آخر، وإنما هو موقف مع المظلوم ضدّ الظالم، ومع الحقّ ضدّ الباطل، ومع من استجاب للصلح، والتغافل ضدّ من رفض الصلح وقرّر المناجزة، أو أنّه خضع للقضاء المستقلّ شكليّاً ثمّ انقلب عليه، وعاد يبغي الفساد في الأرض،  فهذا الصنف قد خرج عن مسار الحقّ الذي كان فيه، ولا يعصمه جهاده وموقفه من النظام الفاجر بأن يُعفى من مسؤوليّاته وظلمه لإخوانه، ولا ينبغي لأهل الرأي والعلم هنا أن يسكتوا عن باطله، بحجّة عدم الاصطفاف أو الاستقطاب، بل العدل هنا هو منازلة الباغي بحسب الإمكانيّة والاستطاعة، وليس ادّعاء الحياد.
وللمثقفين هنا تقدير آليّة المواجهة، فمنهم متوسّع ومنهم مضيّق، ومنهم له من الاعتبارات ما تدعوه للنصح الخفيّ، ومنهم ما لا يُقبل منه إلا العلانية، وهذا كلّه من الآليات التي تُعبِّر عن موقف مع الحقّ ضدّ الباطل، ومع الخطأ مقابل الصواب بصورة مختلفة.
فأنت ضدّ النظام المجرم مثلاً،  هذا هو المهمّ، وهو الموقف الأخلاقيّ الذي يجب أن تتّخذه، ثم تتخيّر طريق المواجهة، سلميّاً أو عسكريّاً أو مدنيّاً أو حقوقيّاً، هذا ما ترسمه خارطة الظروف والمقدّرات.
فهذا هو موقف العدل الذي يجب أن يأخذه الإنسان بين الحقّ والباطل، ولو خالط الحقّ بعض الخطأ، ولو خالط الباطل بعض الصواب.
فالحياد كونه الوقوف في المنتصف... فكرة باطلة، تعبِّر عن الانهزاميّة والانتهازيّة، أو في أقلّ تقديراتها عن الجهالة والغفلة.
وأمّا الحياد الإيجابيّ فهو الوقوف مع العدل ضدّ الظلم، ومع الحقّ ضدّ الباطل، ومع الصواب ضدّ الخطأ، وهذا المكان الطبيعيّ للمثقّف وأهل العلم والرأي، الذين وهبهم الله من العلم والوعي ما يميّزون به بين الوحش والإنسان، وبين الطاغية والضحيّة.
 
حسن الدغيم أبو بكر
باحث في مؤسسة رؤية للثقافة والإعلام.

 





مشاركة