التفكير الاستراتيجي - عباس شريفة


السبت ١٩ / آب / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1403



غدت كلمة (التفكير الاستراتيجيّ)، و(التخطيط الاستراتيجيّ)، و(الرؤيّة الاستراتيجيّة) ... جاذبة للكثير من القرّاء، وتحوّلت في كثير من الأحيان إلى عناوين فضفاضة، على مضامين فارغة، لا تتناسب مع ضحالة المحتوى.
ولكن مع ذلك يكثر تعلّق المتابعين بهذا النوع من الموضوعات، بدافع الشغف لمعرفة ما يخبئه المستقبل، والتنبؤ بمآلات الأحداث السياسيّة ومساراتها، وفي ظنّي أنّ الدول اليوم لم تعد ترسم سياستها وفق التخطيط الاستراتيجيّ الذي يمتدّ سنوات طويلة...
لأنَّ تسارع الأحداث وتداخلها وتعقّدها بات يفرض حتّى على الدول العظمى أن تتعامل مع الملفّات الساخنة، وفق ما تفرضه المستجدّات، وما تفرضه الظروف اليوميّة من سيناريوهات، وبناء على المعلومات الاستخباراتيّة  المتغيّرة خلال اللحظة.
والحقيقة التي لا مرية فيها أنّ ما يقع ممّا يتوقّعه المنظّرون والمحلّلون ودهاقنة السياسة والاجتماع، لا يقع عُشْر معشاره في الحقيقة.
لكنّنا مصرّون دائماً على متابعة ما يصدر عن هؤلاء، تحت ضغط الشغف بمعرفة المستقبل، واستجلاء ما وراء الأحداث.
طبعا نحن هنا لا ننفي فعل السنن الربانيّة في الأحداث والتاريخ وحتميّتها،
لكنّ ما يقع بها الكثير من المستشرفين السياسيّين:
هو عدم التمييز بين نوعين من المعادلات والأنظمة التي تحكم طبائع الأشياء،
بين النظام المغلق أو المعادلة المغلقة، وبين النظام المفتوح أو المعادلة المفتوحة...
ولا يدركون الفرق بين النظام المغلق، مثل قانون الفيزياء والكيمياء... حيث تكون النتائج حتميّة، بسبب وضوح المدخلات: فذرّتان من الهيدروجين مع ذرة من الأكسيجين ضمن الشرطين النظاميّين لا بدّ أن ينتج عنها عنصر الماء، ولا يوجد أيّ احتمال لتدخل قوّة غير عاقلة لحرف مسار النتيجة عنما هو متوقّع إلى نتيجة أخرى...
أمّا في النظام المفتوح، وهو النظام الذي يتناول كلّ الفعل الإنسانيّ في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، أي ما يتناول منطق العلوم الإنسانيّة،
فتوقّع النتائج فيها صعب للغاية، بسبب تزاحم التدخّلات البشريّة التي لا ترد في الحسبان، أو التصرّفات البشريّة التي لا تخضع للمنطق والأخلاق،
فمثلاً في الحرب العالميّة الثانية، كان ستالين على ثقة تامّة أنَّ هتلر لن يغدر بروسيا، ولن يقوم بغزو روسيا، لأنّه منشغل بحروبه في أوربّا، وقام ستالين بمحاكمة أفعال هتلر بناء على وصايا بسمارك للألمان؛ أنّ المانيا يجب ألّا تحارب على جبهتين.
وظنّ (ستالين) أنّ هتلر سيصغي لوصيّة (بسمارك) أبي الألمان ولن يرتكب مثل هذه الحماقة والمجازفة.
لكن الذي وقع أنّ (ستالين) خاب ظنّه بـ (هتلر)، ذلك أنّ السياسيين كثيراً ما يقعون بخطأ، عندما يظلمون خصومهم ويحاكمونهم بناء على قواعد العقلانيّة والمنطق والقيم، والحقيقة أنّ الكثير من السياسيّين يتصرّفون خارج حدود العقل والمنطق والأخلاق وحتّى خارج حدود المصلحة أحياناً.
وهذا ما وقع عندنا في بداية الثورة السوريّة، حيث كثرت التنبّؤات التي قطعت بانتصار الثورة السوريّة، بناء على قاعدة الظالم والمظلوم، وأنّ العالم سيقف مع المظلوم قطعاً.
لكن لم يرد بحسبان كثير من المحلّلين السياسيّين التدخُّلات التي غيّرت المسار بزاوية ١٨٠ درجة؛ من تسليح الثورة، إلى أسلمتها، إلى وصمها بالإرهاب، إلى صراعها مع داعش والقاعدة والبككا والأسد على السواء في آنٍ واحد...
ثمّ التدخّل الإيرانيّ الروسيّ إلى جانب الأسد، أضف إليهم الميلشيات الطائفيّة، وحزب الله، ثم تخلّي الدول الداعمة عن الثورة، وتحويلها إلى ورقة سياسيّة في سبيل المساومة على مصالحهم الخاصّة، وصولا الى استعمال السلاح الكيماويّ ضدّ المدنيّين العُزّل، دون أن يحدث ذلك أيَّ ردّة فعل دوليّة أخلاقيّة مؤثّرة.
بسبب هذه المدخلات التي لم تكن متوقّعة، تغيّرت وجهة نظر الكثيرين ممّن توقّع انتصار الثورة في بدايتها، إلى وجهة نظر على النقيض تماماً من رؤيتهم بداية الثورة.
واليوم يقع الكثير منهم في الغلط نفسه، عندما يقطعون بفشل الثورة السوريّة، بناء على ما ذكر، من تطوّرات كافية لإجهاض عشرين ثورة مثل الثورة السوريّة.
والسبب في اعتقادي أنّ التدخّلات الدوليّة لن تنتهي عند الحدّ الذي وصلت إليه، وبوادر الحرب الإقليميّة والمواجهة بين الدول العظمى واردة جداً، والتي ربّما تعيد الثورة لخانتها الأولى.
 حيث تحوّل الصراع اليوم بين من يحكم سوريّة، إلى صراع الأطراف الدوليّة على اقتسام سوريّة نفسها، وهذا التحوّل سيجعل من تفاهمات الدول تفاهمات هشّة للغاية، أمام هذا التناقض الكبير، والصراع بين مصالحها،
الأمر الذي يحملنا على التوقّف والتأنّي في كثير من التوقّعات، وعدم الجزم والقطع في ميدان مشبع بالظنون والنسبيّة، وعدم التسليم بالروايات والتحليلات التي تريد منّا أن نسلّم بفرضيّة انتهاء الثورة والاستعداد لتسوية الخنوع والاستسلام والمصالحة.
حرّر مساء الجمعة 11 أغسطس 2017


 





مشاركة