المنهجيّة الأصوليّة في الفقه السياسيّ - عباس شريفة


السبت ٠٤ / تشرين الثاني / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 2455



لقد كان لنزعة التقليد الفقهيّ والمذهبيّ المتّصفة بالجمود والتعصب، والتي عصفت بأمّتنا في عصور الانحدار، أكبر الأثر في الضغط على تشكيل العقليّة السياسيّة الإسلاميّة،
فلم تتوقّف هذه النزعة عند حدود الأحكام التكليفيّة الشخصيّة، وإنّما تعدّته إلى الفقه السياسيّ، و القرارات السياسيّة التاريخيّة، المرتبطة بمتغيّرات الواقع على نحو لا يمكن معالجته من خلال الفروع الفقهيّة المسطورة في كتب التراث، ولا من خلال النصوص المحدودة في الوحي، إلا من خلال آلة الاجتهاد الحاضرة في المنهجيّة الأصوليّة، ومع أنّ القواعد الأصوليّة والفقهيّة زاخرة بأدوات التفكير السياسيّ الشرعيّ إلى حدّ كبير، لكن بقي استعمال هذه الأدوات الاجتهاديّة يشوبه الكثير من الاضطراب والتعطيل، كمن يملك رصيداً لكنّه يمتنع عن الاستفادة به، أو لا يحسن الاستفادة به، ممّا يجعل هذا الرصيد الزاخر بحكم المعدوم.
وهنا سأحاول الحديث عن جملة من هذه القواعد المنهجيّة، التي يضطرب الكثير ممّن يتعاطون الفقه السياسيّ عند محاولة استنطاقها بأحكام تسعف الأزمات بالحلول الواقعيّة الناجعة، وتجيب عن الأسئلة السياسيّة بالأجوبة الشافية النافعة...
منها:
1- سوءُ التَّقدير في إناطةِ التَّكليف بالاستطاعة عند الحكم على العاجز بالقدرة، فيُكلَّفُ ما لا يستطيعُ، فيقع في العنتِ والحرج، وربَّما يفضي إلى التَّهلكة، أو يحكم على القادر بالعجز، فيفضي إلى التَّحلُّل من التَّكليف والتَّمييع للأحكام، كما في قرار الثورات والخروج على الحاكم الظالم عند الكثير من أهل الفتيا، الذي مسّهم التردّد بداية ثورات الربيع العربيّ.
 
2- الخللُ في تقديرِ الضّرورةِ عند إباحة المحرَّم، إمَّا تقديراً زائداً يفضي إلى الإفراط، والدُّخول في الشُّبهة والحرام، وإمَّا تقديراً قاصراً يُفضي إلى التَّفريط، ووقوع الحرج
وهذا الأمر نلاحظه بشدّة عندما تضطّر الجماعات الإسلاميّة لبناء تحالفات سياسيّة على السقف الأدنى من أهدافها، مع من تختلف معهم ديناً وسياسة، في سبيل تحقيق مصلحة ترتقي للضرورة التي لا يمكن تفويتها.
 
3- غياب التَّصوُّر الصَّحيح والتَّامِّ للواقع الَّذي يفتي به الفقيه، فلـمَّا كان الحكم على الشَّيء فرعاً من تصوُّرِهِ فسيدخُلُ الخللُ على الحكم عند عدم التَّصوُّر الصَّحيح أو المنقوص، من خلال تضخيم الواقع، أو التَّهوين منه، فيأتي الحكم مضطّرباً، قاصراً عن الاستجابة للتحديات السياسيّة الخطيرة، أو متوجّساً من أوهام مؤامرة لا وجود لها في الحقيقة.
4- تقييدُ المصلحة، حيثُ تكونُ المصلحةُ مرسلةً لم يقيِّدها الشَّارعُ، أو إرسالُ المصلحة؛ حيثُ تكونُ المصلحةُ مقيَّدةً منَ الشَّارع، والحقيقة أنّ أغلب مسائل الفقه السياسيّ هي من قبيل المصالح المرسلة، لكنّنا نجد الكثير من الفقهاء يحاولون إدخالها في مسائل الفقه المنصوص عليه، أو حتّى في مباحث الكلام، كما في مسألة الجهاد مع كلّ إمام برّاً كان أم فاجراً، أو اشتراط الراية في جهاد الدفع.
5- إعطاء الحكم في المسألة، دون النَّظر إلى الذَّرائع الَّتي تفتحُها بفعل الأمر الذي يفتي به، ممّا قد يجلبُ من المفاسدِ أكثرَ ممَّا يرجى منه من المصالح.
كمن يفتي لأمير جماعتِهِ بأنَّ الشُّورى مُعْلِمَةٌ غير ملزمةٍ، ولا ينظر إلى فتح ذريعة الاستبداد والطُّغيان، التي يفتحها بهذه المجازفة الخطيرة.
6- إعطاء الحكم في المسألة دون النَّظر إلى الأولويَّات، وهل هذا التَّكليف هو واجب الوقت الذي لا يفوت، أم يُقَدَّم عليه غيرُهُ عند تزاحم الفرائض، وعدم إمكان فعل الاثنين معاً؟، كتضييع الأولويّة اليوم بين معركة الحرّيّة ومعركة فروع الشريعة، بحجّة الحسبة، فنخسر معركة الحرّيّة، ولا نكسب شيئاً من معركة الشريعة.
7- النَّظر في المسائل وإعطاء الحكم دونَ النَّظر في مآلاتها السياسيّة، وبدون تقدير للعواقب الَّتي عادة ما تُدرَكُ بالاقتران والاطِّراد، فقد يصحُّ الحكمُ من حيث الاستنباطُ والاستدلالُ، ولكنَّه يُفضي إلى مفاسدَ أكثر من المصالح المرجوَّةِ فيما يؤول إليه، كالجماعات التي تفتي بمقاطة المشاركة السياسيّة، تغليباً لمصلحة الجماعة، بدون النظر إلى المفاسد التي تلحق بعموم المسلمين، جرّاء هذه المقاطعة.
8- عدم التوازن بين النَّظر في مقاصد الشريعة، على النَّظر في فروع الشريعة، من خلال تغليب النَّظر في ظواهِرِ الفروع، على النَّظر في المقاصد أو العكس...
فهناك من يجعل من قضيّة إقامة الدولة الإسلاميّة مقصداً شرعيَّاً بحدِّ ذاتِهِ، مع أنَّ إقامة الدولة إنَّما شرعت كوسيلة للحفاظ على المقاصد من حفظ (الدِّين، والنَّسب، والمال، والعقل، والحياة) وليست مقصداً أصليّاً من تكاليف الشريعة.
9- تعليل الحكم التَّعبُّديّ، أو توقيف الحكم المعلَّل.
الأمر الَّذي يفضي بالمفتي إلى الابتداع، لذلك يجب على المفتي إذا عُرِضَت عليه المسألةُ أن ينظر: هل هي تعبُّديّة؟ فلا يُقاسُ عليها غيرُها ولا تُعلَّلُ؟ أم أنَّها حكمٌ مُعلَّلٌ يدورُ مع علَّتِهِ، ويُقاسُ عليه فرعٌ إذا اشترك معه بالعلَّةِ؟.
كمن تعبَّدوا الله بلونِ الأعلام وأشكالِها والكتابة عليها، وجعل ما سواها راية بدعيّة جاهليّة، مَعَ أنَّ معنى الرَّاية الَّتي وردت في الحديث هو الغاية من القِتال، وليس قطعة القماش، فلم يتعبَّدْنا الله تعالى بشكلِ الرَّاية، وإنَّما بالغاية من القتال، أو كمن يشترط القُرَشِيّة في الإمامة العظمى، ويأتي بالأحاديث الَّتي تنصُّ على ذلك، وهذا هو رأي عمومِ فقهاء أهل السُّنَّة، وهو صحيحٌ في زمنٍ كانت قريشٌ تتمتَّعُ بالعصبيّة، ويخضع لها النَّاس في هذا الأمر، لكن عند تنقيح المناط نجد العلَّة هي العصبيّة لقريشٍ، وليستِ القرشيّة هي القضيّة التعبديّة التي يدور عليها الحكم.
10- من أسباب اضطراب الفتوى، الخلطُ بينَ أحكامِ التَّكليف وأحكام الإمامة، أحكام التَّبليغ هي ما يصدُرُ عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، باعتباره إماماً للمسلمين، فهذه الواجبُ فيها الاتِّباعُ والتَّعبُّدُ، والأصلُ في التَّعبُّديَّات الوقفُ.
وأمّا أحكام الإمامة فهي ما يصدُرُ عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم باعتباره إماماً للمسلمين، والَّتي يُراعى فيها النَّظر للمصلحة، فما تحقَّق فيه المصلحة منها يُعمَل به، وما تغيَّرتِ المصلحةُ منه لا يجب الاتِّباعُ، فتَبَدُّلُ الأحكامِ بتَبَدُّلِ الأزمان والظروف والمصالح.
إننا نرى كثيراً من التَّدابير السِّياسيّة راجعاً للمصالح الـمُرْسَلة، وأنَّ المنصوص عليه في السِّياسة الشَّرعيّة قليلٌ، ممّا يجعل المجالَ مفتوحاً للاجتهادِ والاختيارِ على ما تقتضهِ المصلحة، فالأصلُ في السِّياسة الشَّرعيّة الإباحةُ، وابتداع الوسائل لضبط نظامٍ عامٍّ للحكم، إلا ما دلّ الدليل على حرمته بشكل صريح.
والأحكام السياسيّة معظمها من قبيل المظنونات، كما بيّن ذلك الإمام الجوينيّ، والاجتهاد فيها يدور مع المستجدّات غير المتناهية، من إدارة التنازع والأزمات، لذلك ما يحسن فيها هو تزويد السياسيّ والمفكّر بأدوات التفكير المنهجيّ الأصوليّ والاجتهاد، ليستعين بها على المواجهة اللحظيّة ببداهة متناهية، وبقرارات حكيمة، فقد يضطر لاتّخاذ قرار في مكان لا شيخ فيه ولا صاحب فتوى.
فما من فائدة من تكبيله بالأحكام الفرعيّة الجاهزة التي يتعثّر بها، ولا تسعفه في معالجة الواقع، وإنّما تعطّل القرار السياسيّ، وتؤخّر البيان عند الحاجة إليه.
انتهى





مشاركة