تفخيخ الثورة - حسن الدغيم


الخميس ٠٩ / تشرين الثاني / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 1315



من قلب مسجد الشام العامرة، من مسجد بني أمية، من صرح أهل السنة والجماعة، ومن جامع عبد الكريم الرفاعي رمز المدرسة الإسلامية الدمشقية، ومن رحاب الجامع العمري في درعا مهد الثورة، ومن جميع مساجد السنة خرج المصلون السنة يقولون: "واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد". 
هذا المظهر الجليل الذي أفاق عليه العالم وهو ينادي بوحدة الهدف الأخلاقي للشعب الثائر، المتمثل في إرادة شعب عظيم بإزالة نظامٍ طائفيٍّ لئيمٍ، طالما باع فيه واشترى، ولطالما سرق خبز اليتامى وادَّعى أنه حارس للقيم والفضيلة. 
لكن هذه الصورة لم ترق للثعابين المعتاشة على طريقة ملوك الإفساد، وجعل الناس شيعاً وأحزاباً متناحرة لا ترى إلا في السلطان منقذاً ومخرجاً، فيرضون بالظلم مقابل الفوضى، ويقدِّمون الوحدة مقابل الحرية، بالرغم من أنَّ الحرية لا تُنافي الوحدة، وأنَّ الأمن لا يُنافي العدل، ولكنَّ كلَّ ما في الأمر أنَّ الشعب يسترد حقَّه الطبيعي في أنْ يحكم نفسه. 
كان هنا لا بدَّ من تفخيخ طريق الثورة وتفجيرها، وإغراقها في الصراعات الداخلية حتى تأكل أبناءها. 
كان لابدَّ منَ استنهاض كلِّ ما في النفوس من مرتكزات عصبية وقبلية لتحطيم الروح العامة. 
فاستُدعيت العائلية والعشائرية والمذهبية والطائفية والمناطقية والعرقية..، فبدأنا نسمع بالسنة والشيعة، فخرج الشيعة من خارطة الثورة لصالح مرجعيتهم الدينية، ثم صرنا نسمع بالعربي والكردي، فخُطِفَ الكرديُّ منْ خارطة الثورة، لصالح مشاريعَ انفصاليةٍ، ثم بالمسلم والمسيحي والدرزي والإسماعيلي..، فبقي السنة منفردين في خارطة الثورة، وصمت البقية في أحسن الأحوال، ثم بدأنا نسمع بتقسيم السنة أنفسهم بين: جهاديين وثوار، والمقصود بالجهاديين الذين نفروا منْ خارج البلاد، وأمَّا الثوار فهم من أبناء البلد سوريا، ثم انقسم الثوار السوريون أنفسُهم لما يُسمى فصائل إسلامية وجيشٌ حرٌّ، وللأمانة هنا إنَّ الذي بدأ بالتمايز والاستعلاء هم الفصائل الإسلامية وليس الجيش الحرّ، أما الجيش الحرّ فقد تأثر بالمناطقية والعائلية، دون تأثرٍ بمناهجَ فكريةٍ وبقي على فطرته، وأمَّا الفصائل الإسلامية فزاد فيها التفخيخ والتشظي، فبدأنا نسمع عن الخوارج والسلفية والسرورية والمدخلية والإخوان والجامية والصوفية والأشعرية..، وكل هذه المصطلحات ولوازمها يُطرح على يد شرعيين مسلحين على الجبهات العسكرية، مؤمنين بما يدعون إليه، ومستعدين للموت دونه، لقد رأيت بنفسي من: (2011 وحتى بداية 2015) كيف تُزرع القنابلُ في نفوس المقاتلين، وكيف يتم تحويلهم إلى مفخَّخين مستقبليين، وكيف كانوا يُزجّون في معاركَ سوق بغداد التاريخية زجَّأ، وينقسمون إلى معطلة ومؤوِّلة،
وكيف كان الانتقاء والتعيين حسب الاعتقاد الجزئي، وكم وكم سمعت من هذا وذاك: "عيِّن فلاناً فإنه من جماعتنا، وأبعد فلاناً فإنه ليس منَّا"، وهذا الكلام طبعاً ضمن الصف الإسلامي السني المجاهد! 
ولم تكن الأسئلة المهمة في المقرات حول خالد بن الوليد وفتوحاته، ولا معارك القادسية واليرموك وفتح الأندلس، ولا عن عقبة وقتيبة وطارق، حتى صلاح الدين لا يتم الاستشهاد به إلا لتجويز القتال تحت رايةٍ مبتَدَعة!!
بل كانت الأسئلة عن اعتقاد الأشعري ورجوعه عن المعتزلة، وأين الله؟ هل هو في السماء أم في كل مكان؟ وهل آل سعود كفارٌ أم مؤمنون؟ وما حكم مرسي وأردوغان والغنوشي؟، وهذا ليس خاصاً بالقاعدة وإنْ كان لها قصب السبق في ذلك، بل يمتد للفصائل فاتحة اللون أيضاً.
مررنا مرة على أحد نقاط الثوار، وبالتحديد المسمى: (حاجز الدحروج) في معرة النعمان، وهو على نقاط تماس مع العدو مباشرة، وكان مسؤول المنطقة طلب منا الانحناء مع الركض تفادياً لعمليات القنص، حتى وصلنا لمكان تمركز المجاهدين، وجلسنا معهم، وعندما سألتهم عمنْ يأتيهم من الدُّعاة؟ وماذا يطرحون منْ أحاديث؟ كانت أجوبتهم صادمة!، فتصور في مثل هذا الجو الرهيب من القتال، والتماس مع العدو والقنص، كان الموضوع الذي طرحه داعية يحمل اسم (أبو عبيدة الجزائري) هو عن (بدعة السبحة وخطرها)!
ولم تكن هذه مسؤولية البسطاء من الدُّعاة فقط، بل استُجِرَ كثيرٌ من العلماء والأسماء الكبيرة لهذه المفترقات، ويظهر هذا من كمية الاستهلاك والضخ الكبير لأحاديث: (فضل الشام، وعودة الخلافة، وظهور المهدي، والفرقة الناجية، والرايات السود القادمة من خراسان..)، ومثل هذا الطيف من الخطاب الذي أصاب العقلية الثورية بمقتل كبير، جعلته مادة مريحة لتقبل التكفير والتصنيف والاستحلال، والذي رأينا آثاره في خناجر التكفير المسمومة التي مزَّقت أديم الثورة.
أدَّى ذلك إلى خشية بعض المدارس والمرجعيات من الصحوة (السلفية) التي علا صوتها بعد الثورة، فبدأت بحركات دفاعية إرادية وغير إرادية للحفاظ على كينونتها من الاجتياح، فعمدت إلى وضع الجميع بسلةٍ واحدةٍ بدون تمييز ولا تحييد، مما أورث ظاهرةً عجيبةً بالاستقطاب، وبدأت تتموضع بين مقاتلين في خندقٍ واحدٍ، فماذا ستكون النتيجة غير هذا الذي نرى الآن من شتات الصف والتنابز بالألقاب؟ 
وكل هذا يجري ضمن الممانعة الشديد ة لنشر ثقافة المواطنة، والتعددية، والتنافس السياسي، وقبول الآخر، والاستعداد لمعركة دستورية وخيار ديمقراطي، إذا ما نجحتِ الثورة حتى في حدِّها الأدنى. 
وهذه الحديث منَ الطبيعي طرحه في دولة متعددة الأعراق والأديان والمذاهب والمناهج مثل سوريا. 
ولكن ما العمل وقد تطوَّع عددٌ كبيرٌ منَ الدُّعاة لتكفير أيِّ حديثٍ عنِ الوطن وعن إدارته، وعنِ الديمقراطية والدولة المدنية، وقد يقول القارئ الكريم وما تأثير ذلك على الثورة؟ أقول لك: إنَّ منَ الشروخ العميقة التي صدَّعت قلب الثورة هي الخلاف بين الداخل والخارج، وبين السياسي والعسكري، وكم صدرت من البيانات الرافضة لأيِّ دورٍ للمجلس الوطنيّ أو الائتلاف؟ بحجةٍ واحدةٍ أنه يدعو لدولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ! 
خلاصة: يقول الدكتور محمد مختار الشنقيطي: "إنَّ الثورة حلفٌ أخلاقيٌّ لقتال الظالمين، بغض النظر عنْ دينهم، وليست فتحاً إسلامياً لبلاد الكفر، يشترك بها المسلمون وحدهم". 
لا حلَّ لتفكيك الألغام من طريق الثورة إلا بعودتها كما كانت (واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد).





مشاركة