إلحاد في المريخ - د. محمد عياش الكبيسي


الخميس ١٤ / كانون الأول / ٢٠١٧ - عدد الزيارات : 3456



ليس في المريخ إلحاد، غير أن للعنوان قصة تحكي تاريخاً من الصراع بين الإيمان والإلحاد، والذي بدأت بوادر عودته اليوم بأشكال مختلفة.
قبل بضعة عقود كان الفكر الإلحادي يكتسح المنطقة بحماس غير مسبوق ولا معهود، وكان الحزب الشيوعي ذو التكوين الشمولي والعالمي يحقق مكاسبه في أكثر من دولة عربية وإسلامية.
كان الشباب الشيوعي يملأ الساحات والمقاهي والمنتديات العامة بالمجادلات والنقاشات التي لا تهدأ أبداً، وكانوا أكثر نهماً للقراءة والتثقّف من باقي الأحزاب، وأذكر بهذا الصدد ذلك الشاب الذي كان يحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد الشيوعي من إحدى الجامعات الروسية كيف كان يأتينا إلى كليّة الشريعة في جامعة بغداد ليفتح مواضيع متنوعة للنقاش، ثم يصر بعض الأيام على توصيلنا بسيارته «الفولفو» إلى مدينة الفلوجة ليكسب مزيداً من الحوار ثم يرجع لبيته في بغداد، بمسافة 120 كم تقريباً، كانت لحيته كثة وطويلة تشبه لحية ماركس، وكان يصر هو وأهل بيته على تحمل الملاحقات الأمنية في أيام خلافهم الحاد مع حزب البعث، التي تصل إلى الاعتقال والتعذيب الشديد، بحسب روايات متعددة منه ومن بعض أقربائه.
أذكر مرّة وهو يحدّثنا عن ضرورة «تفتيت الثروة» تناولت معه أنصبة الزكاة ومقاديرها في الشريعة الإسلامية، وكيف أن الإسلام مثلا جعل نصاب النقد عشرين مثقالا من الذهب، بينما جعل نصاب البقر ثلاثين بقرة، وأن معدل زكاة الغنم إذا كثرت %1 بينما زكاة النقود 5/2% مهما كثرت، توقف كثيراً ثم قال: هذه حسبة معقدة تساهم في التنمية والحد من ادخار النقد، لكن كيف لي أن أصدّق أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو الذي علمكم هذه الحسبة؟! 
لقد كانت تلك النقاشات حافزاً كبيراً للتزوّد العلمي والفكري المستمر، وأنا هنا أعترف بفضل صديقي «قحطان» في إذكاء هذه الروح، رغم بون الخلاف بيننا في كل شيء.
في مشهد آخر يعبّر عن عمق التحدّي وطبيعته يقف أستاذنا أبو القيم الكبيسي في حوار مع عتاة الشيوعية، وهو أحد أبرز مشايخ السلفية (الوهّابية) ومع هذا كان أول من درّسنا المنطق! وكان يستخدمه ببراعة في حواراته كلها، ليقول لهم أمام الملأ: بمناسبة غزو السوفيت للفضاء، ما قولكم لو أن المركبة السوفيتية حطت على المريخ، فاجتمع أهل المريخ عليها، فقال الشيوعيون منهم: هذه المركبة لم نشاهد صانعها ومن أطلقها إلى كوكبنا، فإذن ليس هناك إلا الصدفة! بينما قال المسلمون منهم: نعم إننا لم نشاهد صانعها لكن العقل يجزم بوجوده، إذ لكل مصنوع صانع؟
أذكر أيضاً المناقشات العلمية الواسعة التي كان يجريها معهم شيخنا الوافد إلينا من مصر الشيخ محمود غريب -رحمه الله- الذي كان يسمّي نفسه «عاشق بغداد» الذي كان يردد: إني أجد متعة في النقاش مع شباب العراق لا أجدها مع غيرهم.
أتذكر ذلك التاريخ وأنا أرى موجة جديدة من الإلحاد، في العراق خاصة وفي المنطقة بشكل عام، إلحاد لا يستند إلى فلسفة، ولا إلى فكر، إلحاد ساذج وأبله، يهتم بالأشخاص والأحداث أكثر من اهتمامه بالأفكار، وعسى أن تكون لنا وقفة مع هذا الإلحاد الجديد
السمة الغالبة في (الإلحاد الجديد) في نسخته العربية على الأقل أنه إلحاد ذو طبيعة احتجاجية، بمعنى أنه أشبه بردود فعل ساذجة على الخطاب الديني المعاصر الذي فقد الكثير من هيبته وقابليته للإقناع.
وبتحليل علمي وموضوعي لهذه الظاهرة لا بد من الاعتراف بالحقيقة المرّة؛ أن الخطاب الديني يمثّل اليوم أحد أهم التحدّيات التي تواجه الدين نفسه، ومن ذلك مثلا إظهار الدين بشكل أو بآخر كعنوان لشقاء البشريّة ومعاناتها، فثقافة (ثارات الحسين) و (إدارة التوحّش) وهما الحالتان الأبرز في مجموع القوى المتديّنة في المنطقة جعلت الإلحاد كأنه قارب النجاة لكثير من الشباب الشيعي والسنّي على السواء، والصورة الكليّة التي تنطبع في ذهن الشاب عن الدين إنما يأخذها من هؤلاء، خاصة مع مباركة المراجع الشيعية للميليشيات، وخفوت صوت العلماء السنّة تجاه الممارسات الداعشية، لكن الذي فات على هؤلاء الشباب أن التاريخ الدموي للإلحاد ليس بأقل من هذا، بل إن بعض المصادر أوصلت عدد ضحايا الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين إلى خمسين مليونا! ما يجعله متفوقا بكثير حتى على الزعيم النازي هتلر.
المناطق التي سلمت إلى حدّ ما من داعش وماعش كانت التجارب (الإسلامية) المرتبكة والفاشلة كفيلة بأن تفسح المجال للنزعات الإلحاديّة وبمستوى لا يقل عن الحالة الأولى، فبعد مرور قرابة القرن على مقولة (الحل الإسلامي) لم يسمع الناس جوابا واضحا عن سرّ تراجع هذه المقولة سوى الإحالة إلى مقولات غيبيّة أخرى مثل: (سنّة الله في التمحيص) و (إذا أحب الله عبدا ابتلاه)، دون أن يقرأ هؤلاء الشباب تحليلا علميا واقعيا يمكن الاستناد إليه أو الانطلاق منه.

هناك أيضا الخطاب الوعظي الذي يتلقاه الناس من على المنابر، وهو خطاب مكرّر ومملول وذو طبيعة عاطفية، وكثيرا ما يعتمد على مزاج الواعظ، فإن راق أدخل الناس الجنّة، وإن تعكّر أدخلهم النار، وقد حدثني أستاذ جامعي معروف أنه طاف مع أولاده في يوم واحد على أكثر من مسجد لصلاة الجمعة ثم رجع دون صلاة! ويقول: لم أعد أحتمل سماع هؤلاء! وقد رأيت كثيرا من المصلّين يبحث عن الخطبة الأقصر (تسقيطا للفرض) كما يقال، لأن المصلّي لم يعد ينتظر من الخطيب حلا لمشكلته، أو تحليلا لواقعه، أو جوابا عن تساؤلاته.
إن هذه الظواهر ينبغي أن نعترف بها لهؤلاء الشباب قبل فتح أي نقاش معهم، فربما رجعوا بهذه المصارحة قبل الدخول في النقاش أصلا، وما زلت أذكر تلك الأخت الفاضلة التي اتصلت عليّ وقالت: إن لديها أسئلة إلحاديّة وهي تخشى من طرحها، فرحّبت بها، ثم شجعتها بقوة أن تأخذ راحتها في الحوار، وكانت النتيجة أنها اكتفت بهذه المقدّمات وقالت: شكرا لك يا دكتور لقد أعدت لي الثقة بديني! ومثل هذه حالات كثيرة تؤكّد أن هذا الإلحاد إلحاد نفسيّ، بعيد إلى حد كبير عن المقولات الفلسفية التي كان يستند إليها الإلحاد القديم.
إن المدخل الأساس لحماية مجتمعاتنا وشبابنا تكمن في إصلاح وضعنا الداخلي ومراجعة خطابنا الديني بشكل خاص، والكف عن سياسة التبرير التي نمارسها لأخطائنا، والتعامل المحترم مع هؤلاء الشباب مهما اختلفنا معهم





مشاركة