عبوّات ناسفة بربطة عنق - حسن الدغيم


السبت ١٣ / كانون الثاني / ٢٠١٨ - عدد الزيارات : 1437



لم يعد خافياً على منتسبي (الربيع العربيّ) خطورة التنظيمات التكفيريّة التي هي أشبه ما تكون -أو هي حقيقةً- بالعبوّات الناسفة التي انفجرت في وجه ثورة الحريّة والكرامة، فكانت الألغام التي بترت أقدام الثائرين، والعصا الغليظة التي دقّتهم على جماجمهم غدراً وبغياً، ومعلوم ماجرّ التنظيم الباطنيّ المسمّى (تنظيم الدولة) على المنطقة من كوارث، ليس أقلَّها التدميرُ والتهجير، بل تتجاوز لزرع الشكوك في قدرة وفعاليّة أيّ مشروع إسلاميّ مستقبليّ، لو لم يحفظ من إسلاميّته إلا الاسم أو الشعار، وذلك لما ورَّثه هذا التنظيم الضالّ في الفكر والسلوك لغيره من مكوّنات المجتمع المسلم، 
ولكن الذي يخفى على كثيرٍ حتّى الآن أنّ هناك نوعاً من المفخّخات والعبوّات التي ساهمت بتدمير ربيعنا العربيّ، ولكنّها لا تستخدم السيفور ولا البارود، ولا الأحزمة والستر الناسفة، وإنّما ترتدي ثياب المنظِّرين والمحلِّلين، ويحتلّون مساحة واسعة في فضائيّات تلفزيونيّة كبرى، ولهم من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي الألوف، ويطرحون أنفسهم كشخصيّات متديّنة معتدلة مؤمنة بالحريّة والكرامة، ومعارضة الأنظمة الاستبداديّة، ولكنّهم يمزُجون بذلك -عن قصد واحتراف- السمَّ الناقع في ثنايا إطلالاتهم وحساباتهم، بالدسم.
ما معنى أن يمضي المحلّل أياماً طويلة وهو يتغنّى بانتصاراتٍ موهومة لتنظيم داعش في تدمر؟ بنفس اليوم الذي كان فيه تنظيم داعش يحاصر مدينة مارع، ووصلت مفخّخاته لداخلها؟ بل وقتل الثوّار خلاياه النائمة بين الأزقّة، وكادت أيقونة الشمال، ومدينة عبد القادر الصالح تسقط مرّات عديدة ولا تسمع لهؤلاء همساً ولا حرفاً؟! بمجرّد هجوم محسوب التوجّه والمسار، تشنّه داعش على مستودع ذخيرة ضمن سياقٍ مألوف ومعروف، بات الصغير قبل الكبير يعرفه، يخرج هؤلاء المحزّمون مهلّلين ومكبّرين بإنجازات دواعشهم المسلّحين، طبعاً ولا يهمّهم استهداف الغلاة لمدنيّين هاربين من دير الزّور، وقتلهم وحرقهم على يد جماعة البغداديّ، فالمهمّ عند الألغام الملفوفة بربطة العنق، هو أن يمضي وقت البرنامج، وقد أفرغوا سمومهم على الجيش الحرّ، وعلى الفصائل التي قاتلت داعش، وعلى من اضطرتهم الأحوال وقسوة الحرب للتفاوض والمناورة مع عدوّعم.
منذ أفغانستان وقف هؤلاء المثقّفون المفخّخون يطوفون حول شخصيّة (ابن لادن)، وتزيّنونها، ويحلّلون أقوالها، وجعلوا منه منارة أمام الشباب المرهق، على الرغم من أنّ هذا الإنسان لا يحظى بأيّ ميزة إضافيّة، لا في فكرٍ ولا في منطقٍ، سوى أنّه ورث عن والده أموالاً طائلة، كافية للإنفاق على متسوّلي الدينار والدرهم بمقالاتهم ومقابلاتهم.
ثمّ تابعوا السيرة ذاتها مع تمجيد (القاعدة) وانتصاراتها على الشعوب المسلمة، وضربها للمقاومة العراقيّة، وقتلها للشعب اليمنيّ، وتدميرها للنسيج المجتمعيّ في الجزائر، وتحطيمها لأيّ محاولة لنهوض الصومال، إلى أن حطّت بهم الرحال في الثورة السوريّة، وانبرى الاعلاميّون الكبار ممجّدين فتوحات الفاتح الجولانيّ، وتشبيه الغلاة بسيف الله المسلول، وصحابة رسول الله، وتسويغ أخطائهم، وتعظيم خطايا غيرهم، وإظهارهم كأنّهم منارات السماء، وقناديل في وسط الظلام، وهم يعلمون يقيناً أنّ الفاتح الجولانيّ الذي أمضى سيرته في سوريّة في بيعةٍ، وحلّ وربطٍ، وفكّ وعقدٍ ونكث، مع محضنه القاعديّ لم يفتح في سوريّة إلا قبراً لثوّارها، وسوقاً سوداء لسلاح مجاهديها، وأكمل مهمّته بكلّ إخلاص، في وأد ثورة الكرامة والحريّة، لصالح المصير الأسود، الذي اختتمت به كافّة ثورات الحريّة، من تأهيل الأنظمة، وترسيخ المستبدّين. 
إنّ من أهم وسائل تطويق الغلوّ والتطرّف ومحاربته، هو نزع ثوب السندس المبهرج عن كومة الخناجر المسمومة، التي تنغرس في صدور الشباب، ظنّاً منهم أنّهم وصلوا إلى الفردوس المفقود، ولا يمكن هذا إلا بتقليم الأصابع التي تلمّع هذا الثوب وتبهرجه، وتزيّنه للناظرين، وتعرية خطابهم، لاسيّما أنّ الشرائح العمريّة الصغيرة ومن هم في سني المراهقة، لا يميّزون بين المنظر الحسن، والفكر الرديء، ويظنّون أنّ أيّ مثقّف يجيد الكلامَ ورصفَ التغريدات هو مرجعيّة فكريّة وقامة سامقة، ولا يدركون الأبعاد الاقتصاديّة والسياسيّة، بل والاستخباراتيّة وراء هؤلاء الملبّسين على الناس.

 

 





مشاركة