لا موضوعية..... القراءة القومية للتاريخ - أ. عباس شريفة


الجمعة ٢١ / أيلول / ٢٠١٨ - عدد الزيارات : 4590



بسم الله الرحمن الرحيم 

من الأخطاء العلميّة الجسيمة التي نقع بها ونحن نقرأ التاريخ، استعمال نظّارة الأيديولوجيّة في أثناء النظر في منطق الحدث، لنطوّع هذا الحدث للسياسة التي نريد، ونسوّغ من خلال توظيفها المصالح التي نسعى إليها، وهنا لا بدّ أن يندّ الباحث عن منهجيّته ويعلّلها، ليتحوّل من عقليّة الباحث المحايد الذي ينقّب عن الحقائق ويعلّلها بسببيّتها المنطقيّة، إلى نفسيّة شاعريّة حالمة تصوّر التاريخ كما يحبّ أن يكون. وهذا ما نقع به عندما نعطي تفسيراً طوباويّاً للسلوك السياسيّ عند الجماعات والطوائف، ونفسّر الثورات وحركات التمرّد والاحتجاج، بناء على بواعث وطنيّة قوميّة تحريريّة، وقد تكون كلّ هذه البواعث غير واردة في ذهنيّة الثائرين أصلاً، لكنّها من واردات المؤرّخ وسوانحه، الذي يحاول تطويع التاريخ أكثر من فهمه، وتوظيف الحدث أكثر من تحليله واستيعابه. ومن هنا نريد الدخول إلى معالجة قضيّة طالما كانت تتسبّب في حجب وتشويش الحقائق التاريخيّة في ذاكرتنا، وهي القراءة القوميّة لتاريخ سوريّة الحديث، التي تتوافق مع سياسة البعث العربيّ، كفئة منتصرة في معركة السلطة والحكم على سوريّة طيلة العقود الخمسة السالفة. لم تكن فكرة الدولة القوميّة التي تبنّاها الملك (فيصل بن الحسين) فترة حكمه لسوريّة بُعَيد الانحسار العثمانيّ التركيّ عنها، قادرة على تقديم البديل المقنع، للأقليّات لتدفعها إلى الاستعاضة عن الحماية الغربيّة، والاتجاه للعقد الوطنيّ باعتباره الحصن الحامي للأقليّات، ولا للأكثريّة، لتنزع منها تصوّرها لنموذج الدولة الشرقيّة، التي قامت على أساس من ارتباط السياسة بالدّين. كما أن تبنّي السياسة العلمانيّة كان سلاحاً ذا حدّين، فبينما اعتبرها القوميّون وسيلة لتوحيد المجتمع على أساس العرق واللّغة، نظر أبناء الطوائف إليها على أنّها محاولة لتذويبهم في المجتمع الأكثريّ، فقدّمت لهم مسوّغاً للمطالبة بحماية الدول الغربيّة وفرض الانتداب، فشكّلوا بذلك حصان طروادة الذي عَبَر من خلالها المستعمر الغربيّ إلى البلاد. ففي عام 1919 جاءت فرنسة برئيس الجمعيّة السوريّة المركزيّة المسيحيّ "شكريّ غانم " للمطالبة بالانتداب الفرنسيّ على سوريّة الطبيعيّة، كما طالب وفد " مجلس إدارة جبل لبنان " الذي شارك في المؤتمر، بالاعتراف باستقلال جبل لبنان تحت الانتداب الفرنسيّ. وبينما كان المسيحيّون البروتستانت في بلاد الشام يميلون نحو الإنكليز، كان الكاثوليك يفضّلون الانتداب الفرنسيّ. حتّى في معارك المقاومة للاستعمار كان غياب دور الأقليّات واضحاً تماماً، يقول أسعد الكورانيّ: “يروي المرحوم (صلاح الدين الخطيب) - وكان من القضاة - أنّه اشترك في حرب ميسلون على أساس أنّ الجهاد من فرائض الإسلام، وكثيرون مثله، أمّا المسيحيّون فلم يشتركوا في شيء ممّا تقدّم، لأنّهم كانوا يرون أنّ وجود (فرنسة) ممسكة بزمام الحكم في سوريّة ضروريّ لحماية كيانهم" وقد جادل الكثير من الكتّاب المعاصرين عن ثورة (سلطان الأطرش) بأنّ التمرّد الذي قاده الزعيم الدرزيّ بين 1925 – 1927 لم يكن في حقيقته يحمل طابعاً وطنيّاً، بل كان الدافع الأساسيّ له هو الخلاف المستحكم بين الحاكم الفرنسيّ " كاربيه "، وزعماء الجبل الذين أرادوا استبداله بمسؤول آخر يدعى " رينو ". وعندما حاول الزعماء الوطنيّون في دمشق أن ينسّقوا مع ثورة (الأطرش) لم يستجب لهم بعد معركة المزرعة، عندما امتنع عن التقدّم نحو دمشق، بالرغم من أنّ الطريق كان مفتوحاً أمام قوّاته، واختار التفاوض مع الفرنسيّين على أساس وضع دستور خاصّ لجبل الدروز، وتعيين حاكم فرنسيّ يرتضيه، وعدم مصادرة أسلحة الدروز، أو محاسبتهم على عصيانهم. وقد تكلّم عن هذه الواقعة عبد الرحمن الشهبندر في مذكراته بمرارة، وذكر شعار الثورة عندما اندلعت في 21 يوليو 1925: [ فليسقط "كاربيه" الظالم، وليحيَ " رينو" العادل ]، وهذا الشعار لم يحمل في حقيقته أيّ مدلول وطنيّ، بل كان ترسيخاً لسلطة الفرنسيّين واحتجاجاً على سياسة المفوّض الفرنسيّ. و بخلاف ما يدّعيه الكتّاب القوميّون، فإنّ ثورة الشيخ (صالح العليّ) ضدّ الفرنسيّين (١٩١٨-١٩٢١) لم تكن تحمل أيّ بعد أيديولوجيّ، أو نزعة تحرّر وطنيّ، ترفض الاستعمار وتهدف لتحرير البلاد، بل كانت تهدف إلى انتزاع بلدة (قدموس) من أيدي الطائفة الإسماعيليّة، حيث تدخّلت (فرنسة) لحماية الإسماعيليّين ضدّ (صالح العليّ)، بينما دعم الأتراك ثورة (صالح العليّ) من أجل الضغط على الفرنسيّين للانسحاب من سهول كيليكيّة التي تعتبرها تركيا جزءاً من أراضيها, وتمّ لهم ذلك عام ١٩٢١, وفي الوقت نفسه استسلم (صالح العليّ) بعد ان أوقف الأتراك دعمه، وتعّهد بعدم رفع السلاح ضدّ السلطة الفرنسيّة بعد تخلّي الأتراك عنه . حتّى في قمع (فرنسة) للثورات التي واجهتها في سوريّة، كانت (فرنسة) تعتمد على الطوائف الأقليّة، حيث قامت (فرنسة) بتجنيد كتائب سمّتهم (الأنصار)، وكانت جمهرتهم من الشركس والأرمن والإسماعيليّة، فلقي الأهلون من سوء تربيتهم وقلّة نظامهم واعتدائهم على الأبرياء، ما أنسى الناس ذكر الانكشاريّة العثمانيّة وقسوتها. وكان القنصل البريطانيّ "سمارت"، في خطاب له يعلّق على تجنيد السلطة الفرنسيّة 200 شخص من الإسماعيليّين بأنّ هذا الإجراء قد: " جلب إلى بعض الأذهان ذكرى تحالف الحشّاشين مع الحملات الصليبيّة "، على أنّه من غير الإنصاف أن نختزل الصراع الإيديولوجيّ في تلك الفترة بين الفكر القوميّ والانعزاليّة الطائفيّة، فلقد فرض التيّار الدينيّ نفسه خلال العهد الفيصليّ، وحاول رجاله أن يخفّفوا من غلواء السياسة العلمانيّة التي انتهجها فيصل في حكومته، بعد أن اتّضح هذا التوجّه العلمانيّ في أوّل جلسة للمؤتمر السوريّ عام ١٩١٩، عندما اعترض العلماء على صيغة الجلسة، وطالبوا بتضمين البسملة في عريضة المؤتمر، فتدخّل عدد من خرّيجي المعاهد الغربيّة ليعلنوا: «العصريّون» بأنّ الأمّة تتطلّع إلى فجر جديد تتجلّى فيه فكرة تأسيس حكومة تتّفق وروح العصر، لا دخل فيها للدين، فتبقى الأديان السماويّة في حرمتها وقداستها، وتسير السياسة في انطلاقها حسبما تقضيه مصلحة الوطن، أسوة بالأمم الراقية في أوربّا وأمريكا. وعلى رأس هذا التيّار كان الشيخ (محمّد رشيد رضا) الذي ترأّس المؤتمر السوريّ خلال الفترة ١٩١٩، وبذل جهوداً مضنية مع مجموعة من العلماء، لمقاومة التوجّهات العلمانيّة في المؤتمر، وبرز كذلك الشيخ (عبد المحسن الأسطوانيّ) بصفته نائباً لرئيس مجلس الشورى، الذي تشكّل بأمر من الحاكم العسكريّ الفريق: (رضا الركابيّ). ومن ناحية أخرى فقد كانت لجنة الدفاع عن الاستقلال، التي تشكّلت في نيسان (إبريل)١٩١٩ برئاسة الشيخ: (كامل القصاب)، من أنشط اللجان السياسيّة في دمشق، حيث قامت بمهمّة التنسيق بين المجاهدين، ومدّهم بالسلاح والعتاد لمقاومة الاحتلال الفرنسيّ. ما يؤخذ على الكثير من أبناء الأقليّات في بلاد الشام استثمارهم للأزمات الوطنيّة، والمشكلات الإقليميّة، لصالح خدمة الطائفة التي ينتمون إليها، وترسيخ خصوصيّاتهم، بدلاً من التعايش مع غالبيّة أبناء المجتمع، والاندماج معهم، والعمل على رأب الصدع الوطنيّ كضامن لحماية الجميع. فالمشكلات التي سادت بلاد الشام في نهاية العهد العثمانيّ، كانتشار الفقر والتمييز الطبقيّ، وإهمال الأقاليم والمناطق الريفيّة، وغياب مشاريع الإصلاح والتنمية، كانت تطال المسلمين السُّنّة وأبناء الطوائف على حدّ سواء، بل كانت معاناة السُّنّة أكثر من غيرهم، باعتبارهم يشكّلون أكثر من ثلثي المجتمع، وعلى الرغم من ذلك فقد دأبت الدعاية الطائفيّة على الادّعاء بأنّ الحال المزرية التي سادت في الريف السوريّ على سبيل المثال، كانت نمطاً من أنماط التمييز الطائفيّ، من قبل الأغلبيّة السنيّة ضدّ الأقليّات . صحيح أنّ مدخلات تفسير أيّ صراع اجتماعيّ متعدّدة ومتداخلة, لكن بالتأكيد إنّ الصراع في منطقتنا ومنذ 200 سنة وإلى اليوم, هو صراع هويّاتيّ بالدرجة الأولى, تقوده تحالفات أقليّة, مع علمانيّة متحالفة مع الاستبداد السياسيّ, ضدّ الأكثريّة من أهل المنطقة, متستّرة بالقوميّة، للهروب من حقيقة التاريخ، ومحاولة الترويج لتفسير الصراع الاجتماعيّ على أنّه نوع من الصراع الطبقيّ, بين ثنائيّات الريف والمدينة, بين الفلاح والإقطاع, بين العمّال والبرجوازيّة, تماشياً مع التفسير الماركسيّ للصراع، ولأجل إخفاء حقيقة أنّ الصراع ناجم عن تنكّر هذا الحلف الأقلّيّ المستبطن لعقدة المظلوميّة التاريخيّة لهويّة الأكثريّة، والاستعانة على هذه الأكثريّة بالعامل الخارجيّ، لتحقيق نوع من الأفضليّة, الأمر الذي يدفع الأكثريّة دائماً لحشد أبنائها لخوض صراع الهويّة، في محيط تستشعر منه الخطر على ثقافتها, بدلاً من الحشد في سبيل معركة النهضة والتنمية, باعتبار أنّ منظومة الحكم ما بعد الاستعمار هي امتداد مستمرّ لنوع آخر من الاستعمار المنتهي، بشقّه العسكريّ المستمرّ بنفوذه الأدواتيّ. هذا المسلّمات التاريخيّة تضعنا أمام حقيقة طالما يحاول الكثيرون إنكارها، بقراءة تاريخيّة متعسّفة، تنطلق من أيديولوجيّة قوميّة محضة، وهي أنّ الهويّة الوطنيّة السوريّة لم تتبلور بعد، عند الكثير من الطوائف التي ترفع شعار العقد الوطنيّ، وأنّ الأكثريّة السنيّة المتّهمة بالاستقواء على الأقليّات بالقوّة العدديّة، هي أكثر من دافع عن العقد الوطنيّ، وضحّى من أجله في تاريخ سوريّة الحديث، إنّ محاولة استنطاق التاريخ بعكس ما هو عليه، هو عبارة عن هروب إلى الإمام، من تحدّي بناء العقد الوطنيّ، الذي تنظر لها المكوّنات الأقليّة على أنّها خضوع للأكثريّة العدديّة، فتلتفّ عليه بعقد وطنيّ، يخفّ من تحته استلاب هويّة وحقوق الأكثريّة.

انتهى





مشاركة