مقارباتٌ في تجديد الخطاب الإسلامي - أ. عباس شريفة


السبت ٠١ / كانون الأول / ٢٠١٨ - عدد الزيارات : 2657



يَكثُر الكلامُ اليومَ عن التجديد في الدين، بين مندفعٍ له ومُتَوجِّس مُحتَرس عنه، ويتخذه بعضهم جسراً لنسف الدِّين ذاته؛ بتأويلاتٍ متعسفة وقراءات عصرية منكرة تنسف المُحكَمات وتلوي أعنق النصوص القطعية، وتفرغ الدِّين من مقاصده وجوهره، وإنْ لم ينهضْ لهذه المَهمةِ الراسخون في العلم، فَسَيتسورُ الحِمَى مَن لا يُضمر للإسلام خيراً.

والإسلام كدِين هو معطىً إلهي ثابتٌ، لا يحق لبشر مهما بلغ علو كعبه في العلم أن ينسخ منه أو يُضيفَ عليه، فإنَّ الله تعالى أكمل الدين من حيث أصولُه وعباداتُه وعقائدُه.

لكنَّ الجانب الذي ندعو لتجديده، ونرى ضرورة ذلك هو الخطاب الإسلامي وهو " تعبيرنا وتصورنا وفهمنا عن الإسلام الذي نواجه به المتلقين لهذا الخطاب"، لذلك لابد من التجديد الدائم والمستمر للخطاب بناء على ترتيب الأولويات، والموازنات، والنظرِ في مآلات الخطاب، ومراعاةِ حالة المسلمين مُكنةً وضعفاً، واعتبارِ متغيرات العصر والواقع، ومراعاةِ مَظْرُوفيّة الزمان والمكان، التي تُظَرِّف خطابنا الإسلامي بواقعٍ يفرض علينا الاجتهاد في تحري الحكمة والرُّشد في معالجته. 

ولا شك أنَّ واقع التخلف الذي يصيب المسلمين اليوم يمسُّ جانبين أساسيين: 

1- التخلف عن فهم دينهم فهماً دقيقاً وعميقاً.

2- التخلف عن إدراك معطيات الواقع وتحديات العصر التي يجب أن ننهض لمواجهتها. 

ونحن بحاجة إلى معالم ومقاربات تساعدنا على فَهم ديننا باستيعابٍ عميق؛ نميِّز فيه بين الثوابت والمتغيرات، وبين القطعي والظَّنِّي، وبين الوسائل والمقاصد. 

 ونحن بحاجة لفهم عصرنا جيداً، وفهمِ تحدِّياته المعرفية والسياسية والثقافية بكل أبعادها وتأثيراتها.

ومن هذه المقاربات:

1- التحرر السياسي من سلطة المستبدين مع التحرر الإيماني من سلطة المتألهين: 

لقد كانت دعوة الإسلام حرباً لا هوادة فيها على الطغاة والمستكبرين ممن استعبدوا العباد، وطغوا في البلاد، معتبرين الشعوب عبيداً، ومُتَّخذِين من أنفسهم آلهة، فجاء الإسلام لهدم صروح الجاهلية، وإسقاط هذه الحكومات العاتية المستكبرة. 

وقد جاء في هذا الزمن حكوماتٌ تُمارس كلَّ شُذوذات السُّلُطات المتألهة، وهم يعلنون أنفسهم عبيداً لله تعالى، فيُغَلِّفون تألههم بغلاف من العبودية الكاذبة، ويُغَلِّفون ظُلمهم بزيف من ادعائهم تمثيلَ إرادة الله تعالى. 

إنَّ الدين الذي لا يُفاصل المُستبدين، ولا يقف في وجه الطغاة والمستكبرين، ولا يقف مع حرية الشعوب المقهورة، لا يمكن أنْ يكون مُقْنِعاً للشباب المسلم الذي يتوق للحرية والعدالة. 

وقد قصَّ علينا البيان الرباني صفحاتٍ طويلة عن صراع سيدنا موسى مع فرعون رمز الفساد والاستبداد.  

وإنَّ تحدياتِ العصر تفرضُ علينا تفعيل المزيد من القيم الإنسانية واعتبارها قيماً مركزية، خصوصاً فيما يتعلق بالكرامة الإنسانية، وحرية الانسان، ومقاومة الظلم والطغيان.

2- تعانق العقل والنص في برهنة الحقيقة:

إنَّ العصر الحالي هو عصرٌ طغت فيه النزعة العقلية بشكل كبير، ولم يَعُدْ هناك ما يُقنع الشباب المسلم على وجه الخصوص بأي خطاب ما لم يكن مشفوعاً بالأدلة العقلية والمنطقية، ولم يَعُدْ يكتفي باللمسات العاطفية وأحاديث المعجزات والخوارق، ولم يَعُدْ يتقبَّلُ ثقافة التسليم بكلِّ ما يقوله الشيخ والأستاذ، فالفضاء المعرفي والثقافي اليوم مفتوح على كلِّ الأفكار، وكثيرٌ من هذه الأفكار باطلةٌ تُدافع عن نفسها بِلَبُوسٍ من العقلانية، بناءً عليه لم يَعُدْ الخطاب الإسلامي بحلته القديمة البسيطة كافياً لمواجهة هذه الجيوش الجرارة.

يقول تعالى ـ في معرض التأكيد على ربط الاتباع بالعلم المبرهَن بالحسِّ والعقل ـ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (36/ الإسراء)

 

3- التأكيد على حقوق الإنسان قبل واجباته:

نجد أنَّ الخطاب الإسلامي خلال العقود المنصرمة يتمحور حول ثقافة الواجب، وحمل الناس على تأدية واجباتهم نحو الخالق سبحانه وتعالى، ونحو أنفسهم، ونحو مجتمعاتهم، ونحو السلطة من طاعة ولي الأمر، وتأدية الزكاة للمجتمع. 

ولكنْ كان هناك غيابٌ شِبْهُ واضحٍ للتركيز على ثقافة الحقوق، خصوصاً الحقوقَ السياسية للشعوب على الحاكم والسلطة، مِنْ حقِّ الحكم بالعدل والحرية والشورى، والضمان الاجتماعي، وحقِّ الأمة في مناصحة الحاكم، وزَجْرِ السلطة عندما تتجاوز الحدَّ ويصدرُ منها الظلم. 

إنَّ مستقبل جميع الأديان مرهونٌ بمقدار استجابة المُتصدِّرين لخطابه لحاجة الإنسانية للكرامة، التي جعلها الله تعالى قيمةً منوطةً بإنسانية الآدمية دون تمييز. 

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (70/ الإسراء) 

 

4- التأكيد على ثقافة الإباحة، قبل ثقافة التحريم:

مع أنَّ الخطاب في القرآن والسنة ـ في أكثره ـ خطابُ إباحةٍ، ومساحةُ التحريم فيه هي المساحة الأقلُّ؛ حيث نجدُ أنَّ النصوص القرآنية تسرد ـ فقط ـ المحرماتِ لقلَّتِها، وتترك الكلام عن المباحات لكثرتها، أو تذكرها بالعموم والإشارة. 

كما في قوله تعالى ـ بعد ذكرِ المحرماتِ من الزواج ـ:

{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} (النساء / 24)

عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشرٍ رضي الله عنه، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض فلا تُضَيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياءَ -رحمةً لكم غير نسيانٍ -فلا تبحثوا عنها)). حديث حسن، رواه الدارقطني.

5- الأخذ بمبدأ فتح الذرائع، بدلا من سد الذرائع:

ساد لزمنٍ طويل خطابٌ فقهيٌ ينطلق من تضخيم سدِّ الذرائع إلى درجة التحجير على ما وسَّع الله تعالى، وتحريم ما أباحه تعالى، فما يزال بعضهم يُفتي بالأورع والأحوط، حتى تحوَّل الفقه لمجموعة من الأحوطيّات. 

 فقد مُنعت النساء من التعليم بحجة سدِّ الذرائع، ومُنعت من المساجد والعمل بحجة الفتنة، وظلَّ الحديث عن المرأة عند المسلمين حديثاً مَوسوماً بالفتنة. 

وحرّم الخروجَ على الحاكم بحجة الفتنة، وأُفتي بشَرْعيّة إمامةِ المُتَغلِّب بِحُجة المفاسد المترتبة على الخروج عليه. 

مع أننا نجد في السنّة أحاديثَ تدعو لفتح الذرائع، ونُطقِ كلمةِ الحقِّ عند السلطان الجائر، ونجد المرأة في الإسلام تخرج للمسجد في زمن رسول الله، وتَجُوْلُ الأسواق للتجارة، وتخرج مع المسلمين للجهاد.

6- نقد الذات، قبل نقد الآخر: 

يَكثُر الكلامُ في الخطاب الإسلامي عموما ً حول المؤامرة الاستعمارية علينا، واستهدافُ الإسلام من قِبَل الأعداء، وأنَّ الغربَ لا يسمح لنا بالتحرر والتقدم، وأنَّ الغرب هو من يُسلِّط الحكام المستبدين على رقابنا، وأننا بخير وعافية لولا تكالب الأعداء وتداعي الأمم علينا كما تُدْعى الأَكَلَةُ على قصعتها. 

وفي تقدير أنَّ أساس مشاكل المسلمين وتخلِّفهم تعود 80 % إلى أسباب ذاتية تتعلق بنا، وإلى 20 % تتعلق بالآخر. 

حتى عندما تكلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداعي الأمم علينا أرجع المشكلة إلى بعدها الذاتي.  

عن ثوبان قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «يُوشك الأمم أنْ تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومِن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غثاءٌ كغثاءِ السيل، ولَيَنْزَعنَّ اللهُ من صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوَهَن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوَهَن؟ قال: «حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت». أخرجه أبو داود في سننه (2/ 10 2)

وقال تعالى عما حصل للمسلمين في أُحُد: 

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران/ 165).

إنَّ الأمم التي تقدَّمت وتجاوزتْ قنطرةَ التَّخلف لم تتقدمْ إلا بعد إجراء مُرَاجَعاتٍ ونَقْدٍ عميق لكل المُسَلَّماتِ الفكرية والفلسفية والمعرفية التي كانت تُسَلِّم بها لتكتشف موطن الداء والخلل.

ولكنْ لا بد من الوقوف على البرزخ الرقيق بين نقد الذات وجلد الذات، بحيث لا يتحوَّل نقدُّ الذات إلى خطاب يأسٍ وإحباطٍ يعود بالأثر السلبي على النفوس بدلاً من معالجتها. 

7- ثقافة التعايش والانفتاح بدلاً من التقوقع والانعزال: 

إنَّ الغلوَّ في ثقافة البراء والولاء التي ينتج عنها ثقافة التوجِّس المُبَالَغ به من المجتمعات غير المسلمة، والتحسُّبِ الدائم وقطعِ صلة التواصل، وعدمِ الاحتكاك بها، أو إقامةِ أواصرِ التعاون على الخير ونفع الإنسانية لا تتفق مع روح الدعوة الإسلامية الحقِّة، ولا تتفق مع التوجيهات الربانية، والدعوة للتعاون على البر والتقوى، وقول الحسنى للناس، ومبادلة الإحسان بالإحسان

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ} (2/ المائدة) 

لقد ضرب المسلمون في تاريخهم أروع الأمثلة على الانفتاح والتعايش مع الأديان والثقافة والحضارات المختلفة، وتأثروا بها وأثروا فيها بدون أنْ يمتلكهم الخوف والتوجِّس من ضياع الهوية والخصوصية.

8- التعددية السياسية والثقافية محل السلطوية الفردية الشمولية المطلقة:

إنَّ الهَوَسَ المُفرطَ والحُلُمَ المُلِّحَ على بعض أصحاب الدعوات مِنْ جمع الناس على دينٍ واحدٍ، وشكلٍ واحدٍ، ومعتقدٍ واحدٍ، وفردٍ واحدٍ، هو مِنْ مُغالبة السُّنن الربانيّة، لا شك أنَّ مِنْ واجب صاحب الدعوة أنْ يدعوَ لما يراه هو الحق، ويحذِّرَ مما يراه باطلاً؛ لكنْ ما ينبغي لهذا الهمِّ أن يكون مانعاً من القَبول بالتعدد الثقافي والمذهبي والسياسي في المجتمعات التي نعيش بها، فالناس لم ولن يجتمعوا على فكر واحد ومذهب سياسي واحد. 

 قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (118/ هود)

 هذه بعض المقاربات في تجديد الخطاب الإسلامي قد يزيد عليها بعضهم، وقد يَنْقُصُ منها آخرون، لكنني أرى أنَّ مسألةَ التجديدِ هي من الأهمية بمكانٍ؛ تَفْرِضُها تحدياتُ العصر، وتُوجِبها الضرورة الحضارية لإيجادِ أجوبةٍ شافيةٍ تدور في عقول الشباب، الذي يتعرض في فكره وروحه إلى اجتياح ثقافي شاملٍ، وإعصاراتٍ معرفية عنيفة، لا تكاد تثبت معها المُسَلَّمات التي تلقَّاها من الخطاب الإسلامي القديم. 

فإنَّ سؤالَ الهُوية، والحرية، والسياسة، والحضارة، وإشكالية التراث والحداثة وسؤال الثورة...

باتت كلُّ هذه الأسئلة لا مناص من مواجهتها بموضوعيّة وعلميّة.

ويكمن سؤال التجديد الذي يشغل أقلام المفكرين هو القدرة في إيجاد الحلول العملية والاجوبة الشافية لما يطرحه علينا عصرنا من تحديات لم يعرفها ماضينا وأسئلة يفرضها علينا الظرف، كما استطاع السلف الصالح أن يجتهدوا لعصرهم من خلال إيجاد إجابات شافية لتحديات عصرهم السياسية والإدارية والاقتصادية. 

إنَّ المسلمين اليوم بحاجة ملحة إلى خطاب جديد يرتبط بالأصل ويتصل بالعصر، يفتتحون به العصر القادم بمزيد من التقدم والنهوض، ويقفون من خلاله على أعتاب الحضارة الإنسانية كفاعلين مساهمين لا منفعلين مستهلكين، ورائدين قائدين لا مجرد تابعين مقلِّدين.





مشاركة