الثورة السوريّة في دائرة الاحتواء - أ. عباس شريفة


السبت ١٩ / كانون الثاني / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 2292



في منتصف القرن المنصرم تبنّت القيادة الأميركيّة سياسة الاحتواء، تجاه الكثير من الدول المناوئة لسياستها، وأخذت تقوم بدعم الأنظمة الرأسماليّة والموالية للسياسة الأميركيّة، عن طريق المساعدات الاقتصاديّة والفنّيّة، كما أخذت تحيط الاتّحاد السوفييتيّ بسلسلة من الأحلاف العسكريّة، مثل الناتو، والسيتو، وحلف بغداد، وتقف المواقف الصلبة في وجه السياسة السوفيتيّة، كالموقف من حصار برلين، وقد تطوّرت هذه السياسة نفسها على يد جون فوستر دالاس وأصبحت تسمّى: (حافّة الهاوية).

والواقع أنّ محاربة الشيوعيّة، واحتواء التوسّع السوفييتيّ، استخدماً لمحاربة حركة التحرّر في العالم الثالث، وفي الوطن العربيّ استخدم حلف بغداد لمحاربة حركة التحرّر العربيّ، فقامت بتشجيع التحرّش التركيّ بالحكم الوطنيّ في سوريّة (1956-1957)، وبالعمل وفق مبدأ إيزنهاور بعد فشل العدوّان الثلاثيّ على مصر عام: 1956، وبإنزال الجيوش الأميركيّة والبريطانيّة في لبنان والأردنّ، بعد قيام ثورة: 14 تمّوز 1958 في العراق، ارتبطت هذه السياسة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالحرب الباردة.
يعتبر برنارد لويس هو صاحب نظريّة الاحتواء المزدوج التي صدرت بعد حرب الخليج الثانية، وقال لويس من خلال نظريّته تلك: بما أنّ العراق وإيران قوّتان متعاظمتان بالمنطقة لذا على أمريكا أن تستخدم استراتيجيّة الاحتواء.


 “فلسفة نظريّة الاحتواء المزدوج الأمريكيّة”


وتعتمد سياسة الاحتواء المزدوج على اعتماد القوى المستعمرة على تضارب مصالح القوّتين الرئيستين في المنطقة، وعداء هاتين القوّتين لها، وتقوم بتغذية هذا التضارب ليصل إلى مرحلة الصراع وعندها يتغيّر جدول العداء لدى القوّتين فيصبح العدوّ الأوّل في جدول العداء هو القوى الأخرى، أمّا قوى المستعمرة فتصبح العدوّ الثاني في الجدول، وحين يصل الصراع إلى مرحلة خطرة عندها يصبح الحصول على مساعدة العدوّ الثاني للتخلّص من العدوّ الأوّل أمراً ضروريّاً على شرط أن يكون سرّيّاً، أو عبر طرف ثالث أو بطريقة غير مباشرة فتساعدها القوى المستعمرة سرّاً في البداية، ثمّ تقوم بنشر هذه المعلومات بطريقة أو بأخرى دون الإخلال بالاتفاق، الأمر الذي يؤدّي إلى اشتعال الصراع، حيث يظنّ كلا القوّتين (الطرفين)أنّه يواجه العدوّ الأوّل، (القوّة المستعمرة)، والعدوّ الثاني (الطرف الأخر) في آن واحد، ولابدّ من تسخير كلّ الطاقات والقدرات للفوز بالنصر في المعركة، وتتدخّل القوّة المستعمرة من حين لآخر إمّا بنشر أكاذيب او فبركة أخبار، أو حتّى بالمساعدات الفعليّة لإعادة التوازن بين الطرفين، حيث إنّ النصر لإحدى القوّتين يعتبر خطّاً أحمر لدى القوّة المستعمرة، وبذلك تصبح القوّة المستعمرة في وضع قويّ ويزداد قوّة، لا بقوّته الذاتيّة، وإنّما بضعف القوّتين الأخيرتين اللتين استنفذتا طاقاتهما وقدراتهما في مواجهة بعضهما بعضاً.


أمثلة تاريخيّة على تطبيق نظريّة الاحتواء في السياسة الأمريكيّة


وهذه الاستراتيجيّة طبّقتها أمريكا مع كلّ من العراق وإيران، حيث إنّ كلا الدولتين تعلنان العداء لأمريكا، لكن عندما قامت الثورة الإيرانيّة (1979) بقيادة الخمينيّ، كانت أمريكا بالنسبة إلى الشعب الإيرانيّ هي” الشيطان الأكبر”، وعندما وقعت الحرب العراقيّة/الإيرانيّة خلال عقد الثمانينيّات، كانت أمريكا منحازة انحيازاً مباشراً لصدّام حسين في حربه ضدّ الثورة الإيرانيّة الوليدة، التي أثارت القلاقل في الشرق الأوسط بأكمله.
كانت إيران بحاجة إلى أسلحة في الحرب التي استنزفتها، وعقدت إدارة الرئيس الأمريكيّ رونالد ريغان اتفاقًا مع إيران لتزويدها بالأسلحة التي تحتاجها، وكانت الصفقة سريّة للغاية، وتمّت اجتماعات الاتفاقيّة في باريس، وكانت الأسلحة تمرّ لإيران عبر إسرائيل، وبحسب محلّلين تسبّبت هذه الاتفاقيّة السريّة حين أُعلنت في اهتزاز إدارة الرئيس الأمريكيّ رونالد ريغان هزّة عنيفة. 
فقامت أمريكا بمساعدة الدولتين، ففي الوقت الذي كان فيه العراق مسيطراً قامت أمريكا بإمداد إيران بقطع غيار لطائراتها أمريكيّة الصنع سرّاً، والتي نشرت لاحقاً في وثائق تسمّى (إيران – كونترا)، وفي الوقت الذي كانت فيه إيران مسيطرة ساعدت أمريكا العراق في تصنيع الأسلحة الكيماويّة عبر شركات ألمانيّة وشركات أخرى، وقد مهّدت زيارات رامسفيلد -موظّف في البنتاجون آنذاك ووزير الدفاع في عهد بوش الابن- لهذه المساعدات، وكانت إيران تتّهم العراق بأنّها مدعومة من أمريكا، وكان العراق يتّهم إيران بأنّها مدعومة من أمريكا.
وطبّقت هذه الاستراتيجيّة في العراق بعد غزوه بين السُّنَّة والشيعة فدعمت قوى الشيعة للقضاء على المقاومة السنيّة، ثمّ دعمت قوى سنيّة لتقليص سطوة الشيعة على الحكم في الصراع، وكلا الطرفين يتّهم الآخر بالعمالة لأمريكا.

من الاحتواء المزدوج إلى الاحتواء المزدوج المركب


أمّا بعد الربيع العربي فقد انتقل التطبيق من الصراع بين الدول، إلى الصراع بين القوى النافذة من المعارضة والنظام داخل الدولة الواحدة.
فإنّ هناك اختلالاً في توازن القوى داخل كلّ بلد عربيّ، وربّما تتطوّر الاستراتيجيّة فتصبح استراتيجيّة احتواء مزدوج مركّب، أي عمليّة داخل عمليّة، بحسب بيئة كلّ بلد، فتكون عمليّة احتواء مزدوج بين القوّتين الرئيستين في قوى النظام الجديد، داخل عمليّة الاحتواء المزدوج لقوى النظام الجديد وقوى النظام القديم.

 

“من الأمثلة على سياسة الاحتواء المزدوج المركّب”


فقد نرى صراعات بين الإخوان والسلفيّين من جهة، داخل صراع بين إسلاميّين وليبراليّين، وصراع داخل التيّار نفسه بين صقور وحمائم، أو بين محافظين وإصلاحيّين، وكذلك صراع ليبراليّ ليبراليّ ضمن صراع بين قوى الأنظمة الجديدة وقوى الأنظمة السابقة، بعد أن غيّرت جلدها (هذا ما فعلته أمريكا في العراق بين قوى المجتمع العراقيّ) وبهذا يصبح المجتمع مقسّماً إلى عدّة قوى، قد يتراوح عددها ما بين 5 إلى 10 قوى، وعلى رأس كلّ قوى قيادة تسعى للوصول للحكم، ولكنّ عدد هذه القوى لا يسمح بانفراد أحدها بالحكم، وبالتالي فإنّها تسعى إلى التنسيق فيما بينها أو التوافق أو تسعى كلّ منها إلى الحصول على دعم خارجيّ إمّا بالمال أو بالإعلام أو بأشكال أخرى من الدعم، للانتصار على القوى الأخرى في الداخل.
وبمرور الوقت يصبح بعض القوى رهائن لدى أطراف خارجيّة، سواء كانت قوى استعماريّة مباشرة أو عبر ثالث، وتصبح كلّ قوى تتّهم القوى الأخرى بأنّها تتلقّى دعماً خارجيّاً، وأنّها عميلة للقوى الاستعماريّة، إمّا مباشرة أو عبر طرف ثالث، وهذه الاتهامات مستندة إلى تصريحات لمسؤول دولة ما، أو أخبار منشور في الوكالات الإخباريّة، وهذه التصريحات والتسريبات مقصودة من القوّة الاستعماريّة لغرض إشعال الصراع، وهو ضرورة لتنفيذ الاحتواء المزدوج، وتتمّ هذه التسريبات والتصريحات في أوقات معيّنة، لإعادة التوازن بين القوى السياسيّة، حتّى لا تسيطر قوّة واحدة على البلد، أو تختفي قوّة من المشهد السياسيّ وتستنزف طاقات وقدرات البلاد في هذا الصراع.

سياسة الاحتواء المركّب مع الثورة السوريّة 


كذلك في الثورة السوريّة تعدّدت أطراف الصراع، على شكل امتداداتٍ لاستقطابات إقليميّة ودوليّة، من خلال أذرع داخليّة تظنّ نفسها مستقلّة، سرعان ما تحوّلت لأذرع وظيفيّة مدعومة من دول مختلفة في مصالحها ورؤيتها للحلّ في سوريّة المستقبل. فتشكّل بين الصراع الكبير بين القوى الثوريّة والنظام صراعات فرعيّة عبر الأذرع المتعدّدة الاتجاه، وصراعات أصليّة بين الدول الإقليميّة الداعمة للأطراف المحليّة. وصار لدينا صراع على أساس عرقيّ (عربيّ - كرديّ) وصراع على أساس أيديولوجيّ (إسلاميّ - جيش حرّ) وصراع مشاريع (إسلاميّ وطنيّ - إسلاميّ عالميّ) وصراع طائفيّ (علويّ سنّيّ - سنّيّ شيعيّ).
وهذه الأذرع منها ما هو محسوب على الثورة (جيش حرّ، الحراك الكرديّ، الإسلاميّون، القوى المدنيّة) وهناك أذرع محسوبة على النظام (الشبّيحة، حزب الله، المليشيات العراقيّة، الفيلق الخامس) ومنها ما هو معاد للثورة والنظام افتراضاً (كمشروع وحدات الحماية الكرديّة الانفصاليّة Pkk، ومشروع داعش التكفيريّ العابر للحدود) وهناك مشروع القاعدة الذي يمارس سياسة الاختباء خلف الثورة، والتحالف المرحليّ على الانتماء للثورة كمرحلة تكتيكيّة، وصولاً إلى الهدف الاستراتيجيّ ( الدولة الإسلاميّة )، وهذه الأطراف كلّها مدعومة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر، أو عبر وسيط ثالث بطريقة تحافظ على الجميع، وتضمن استمرار الصراع وإنهاك الجميع. 


احتواء فصائل الجيش الحرّ 
 

فالجيش الحرّ مثلاً كان مدعوماً من غرف الموك التي تشرف عليها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وكان هذا الدعم محدوداً: بالأسلحة التي تحقّق الاحتواء، وتضمن له الصمود والبقاء، ولكن لا تحسم المعركة لصالحه، وهذا ما جعل الولايات المتّحدة تضع خطّاً أحمر على وصول مضادّ الطيران والأسلحة النوعيّة، بحجّة عدم وصول السلاح ليد الإرهابيّين، بينما كانت تصل كلّ أنواع الأسلحة الأخرى ((للإرهابيّين)) بزعمهم، حتّى إنّ الولايات المتّحدة لم تقبل بنشر منصّات صواريخ على الحدود التركيّة والأردنيّة لإقامة منطقة آمنة، وأصرّت أن تكون المناطق المحرّرة والمدنيّون تحت رحمة براميل النظام السوريّ.

 

احتواء الجماعات المتطرّفة 
 

وكان جزء كبير من الدعم يصل إلى فصائل صغيرة تؤدّي قسماً من ريعه للقاعدة، وبعلم ومباركة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي كانت بمثابة المغذّيات لمشروع القاعدة، المشروع الذي كان مبرّراً لإعادة تأهيل النظام المجرم، كما كان يشكّل خطفُ الصحفيّين ودفعُ الفدية عبر الوسطاء مورداً هامّاً للقاعدة في سوريّة.
بالمقابل كانت داعش تجوب عباب الصحراء بأرتالها، ولم تكن الأقمار الصناعيّة الأمريكيّة التي ترقب النملة، تلحظ ذلك، بل إنّها ساهمت في إمداد داعش بمزيد من السلاح والأموال التي استولت عليها من فرق الجيش العراقيّ، التي سقطت بشكل غريب وبدون أيّ مقاومة تذكر.
كما أنّ الولايات المتّحدة لم تقم بضرب أيّ من آبار النفط التي كانت تشكّل شريان الحياة لداعش، والمورد الاقتصاديّ الكبير لإمدادها، ولم تجرّم شراء النفط ممّن تصفهم بالإرهابيّين، بل غضّت الطرف عن أسواق الاستهلاك للنفط، الذي يورد من مناطق سيطرة داعش. 

 

احتواء مليشيا PYD 
 

وعندما كانت داعش تكتسح الريف الشمالي في حلب، كانت طائرات الاستطلاع الأمريكيّ تراقب المشهد عن كثب، وتروّج لقوات سوريّة الديمقراطيّة ( PYD) بأنّها القوّة المنظّمة القادرة على مواجهة داعش، وأنّ الجيش الحرّ غير قادر على هذه المهمّة، بعد رفض الجيش الحرّ الشرط الأمريكيّ ( وهو قتال الإرهاب، وعدم قتال النظام السوريّ)، هنا ابتدعت الولايات المتّحدة الأمريكيّة مشروع البنتاغون لدعم بعض الفصائل من الجيش الحرّ، لمحاربة داعش، ولكن كان هذا الدعم تغطية على مشروع أخبث؛ وهو تدفّق السلاح إلى قوّات الحماية الكرديّة (PKK ) بما يكفي لتمويل جيش دولة بكامله، كما غضّت الولايات المتّحدة الطرف عن تدفّق المليشيّات العراقيّة والإيرانيّة وجنود حزب الله، الذي يفترض أنّه مصنّف كمنظّمة إرهابيّة إلى سوريّة، ليشارك في الأعمال القتاليّة فيها، وفي الوقت الذي كانت تفرض العقوبات على الشركات الأمريكيّة المتعاملة مع النظام السوريّ كانت أمريكا تسعى للإفراج عن رؤوس الأموال الإيرانيّة المحتجزة لديها، حيث كانت إيران من أكبر الداعمين الماليّين للنظام.
 

احتواء إيران 
 

استطاعت الولايات المتّحدة أن تمرّر الاتفاق النووي مع إيران، الذي عقد في العاصمة النمساويّة فيّينا يوم 14 يوليو/تموز 2015.من خلال الورقة السوريّة، وإطلاق يد إيران في سوريّة، ولقاء الصمت الأمريكيّ عن الإجرام الإيرانيّ في حقّ الشعب السوريّ، لتعود لاحتواء إيران من جديد في المستنقع السوريّ. 
وكانت هذه رغبة كثير من حلفاء أمريكا، على رأسهم إسرائيل ودول الخليج، على اعتبار أنّ إدخال إيران والإرهاب إلى سوريّة سيسهم في استنزاف إيران، ثمّ بعد الاستنزاف يقومون بالضغط على إيران لإخراجها من سوريّة كجزء من التسوية النهائيّة. 

 

احتواء النظام السوريّ 
 

أمّا بالنسبة إلى النظام السوريّ فبرغم أنَّ نظام الأسد قد ارتكب مجزرة في أهالي منطقة الغوطة الشرقيّة والغربيّة بريف دمشق، باستخدامه السلاح الكيماويّ (غاز السارين) في أغسطس2013، إلا أنَّ أحدًا لم يتحرّك تحرّكاً عسكريّاً كما كان من المقرّر بعد حديث الولايات المتّحدة عن تدخّل عسكري محدود ضدّ النظام، وتوافقت الولايات المتّحدة وروسيا بالتعاون مع حكومة الأسد على التخلّص من السلاح الكيماويّ السوريّ، مقابل عدول الولايات المتّحدة عن توجيه ضربات عسكريّة للنظام السوريّ، وبذلك عادت أمريكا لسياسة الاحتواء المزدوج المركّب مع النظام السوريّ، بدلاً من كسر ميزان القوّة الذي لم ترغب بكسره لصالح أيّ طرف من الأطراف. 
 

احتواء روسيا 
 

أمّا بالنسبة إلى روسيا فقد استطاعت الولايات المتّحدة أن تسمح لروسيا بالتدّخل العسكريّ في سوريّة، واستعمال أقصى درجات الوحشيّة في القصف وقتل المدنيّين، وغضّت الطرف عن استهداف روسيا لفصائل الجيش الحرّ المدعومة أمريكيّاً والتي لم تصنّف على قوائم الإرهاب، ورغم الانجازات العسكريّة كلّها التي حقّقتها روسيا على الأرض، فإنّ الولايات المتّحدة لم تسمح لروسيا بالتفرّد في صياغة شكل الحلّ السياسيّ النهائيّ في سوريّة ( من خلال السيطرة على مفاتيح الحلّ، وهي إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين ورفع العقوبات عن الأسد، ومنع النظام من الوصول إلى موارده في الجزيرة السوريّة، النفط والغاز والقمح والمياه والكهرباء، وبقيت مصرّة على مسار الحلّ وفق قرارات الأمم المتّحدة وبيان جنيف، وإخراج إيران من سوريّة، بالرغم من محاولة روسيا نقل الحلّ السياسيّ إلى استانا وسوتشي.
 

احتواء تركيا 
 

 ترغب الولايات المتّحدة الأمريكيّة أن تصوغ علاقتها مع تركيّا على أساس التبعيّة، وتصرّ تركيّا على المعاملة الندّيّة مع الأخيرة، رفضت الولايات المتّحدة الاقتراحات التركيّة كلّها بالتدخل العسكريّ في سوريّة، وأصرّت أن يكون التدخّل في نطاق دعم المعارضة، وفي حرب الإرهاب أدارت الولايات المتّحدة الظهر للحليف التركيّ، واعتمدت على ميلشيا مصنّفة على قوائم الإرهاب، وهي تشكّل عدوّاً لتركيّا، وتحاول الولايات المتّحدة احتواء تركيا عبر التأكيد أن تحالفها مع pyd هو تحالف مؤقت في سبيل الحرب على الإرهاب، كما غضت الطرف عن عمليّة غصن الزيتون في عفرين، وتعلن اليوم أنها ستنسحب من شرق الفرات لصالح تركيّا.

 

احتواء القوى الإقليميّة والمحليّة 
 

وبذلك تضّح لدينا خارطة الدعم لجميع الأطراف المتصارعة، وكيف يصل لها بالتساوي، سواء كان بالدعم المباشر، أو بالإشراف، أو عبر وسيط، أو بتركه يمرّ دون منع، مع القدرة على منعه، وهذه الخارطة المعقّدة من شرايين الدعم هي التي أوصلتنا لهذه الحدود الجغرافيّة للقوى المتصارعة على الأرض، والتي تظنّ أنّها تعمل في ممرّات تقاطع المصالح مع الدول الكبرى، بالوقت الذي تدخل هذه القوى في نفق حروب الوكالة والأدوار الوظيفيّة، من حيث تدري أو لا تدري، وهي مرهونة لحركة المحور الكبير الذي تلتحق به، وهذه المحاور الكبرى المتمثّلة بإيران وتركيّا وروسيا والخليج، كلّها تلتقي عند حدود الاحتواء الأمريكيّ لمسارات الصراع.

 

شطرنج على رقعة الجغرافية 
 

ومن يراقب إعادة تشكّل الخارطة الجغرافيّة في الشمال السوريّ، يدرك تماماً أنّنا كنّا أمام شطرنج سياسيّ من العيار الخبيث، والذي لعب على إعادة تشكيل الخارطة لصالح امتداد اللاعب الداعشيّ، على حساب الجيش الحرّ، ثمّ امتداد لا عب pyd على حساب انحسار اللاعب الداعشيّ، ثمّ يراد اليوم أن ينحسر pyd لصالح النظام السوريّ، الأمر الذي يفضي إلى شكل جديد لسوريّة الجديدة، يعبّر عن مصالح الدول المتصارعة على سوريّة أكثر ممّا يعبّر عن تطلّعات الشعب السوريّ في دولة الحرّيّة والكرامة والمواطنة.
وسيبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لنا الخروج من هذه المصيدة السياسيّة التي نساق إليها في كلّ مرّة عن رضا وطواعيّة؟ لا شكّ أنّ الحلّ هو مناعة الوطنيّة السوريّة التي يتحرّك الجميع في فراغها.

انتهى





مشاركة