نحن والغرب أزمة التمحور والتوازن - أ. عباس شريفة


الخميس ٣٠ / أيّار / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 1085



الغرب

كان الفكر الغربي في الحضارة الرومانية يتمحور حول القانون الذي كانت تتيه به روما، وفي العصور الوسطى كان يتمحور حول الكتاب المقدس واللاهوت المحتكر فهمه من رجال الدين والكنيسة فقط والتي أورثت سلطة سياسية تحكم بالحق الإلهي. 

ثم جاء عصر الإصلاح الديني والذي نشطت معه الحركات الاحتجاجية على الكنيسة الكاثوليكية التي بدأت تستثمر في صكوك الغفران مع الحركة اللوثرية، ثم جاء عصر الأنوار وبدأ الفكر الغربي يتمحور حول العقل كما نجد في كتابات إيمانويل كنط في نقد العقل الخالص، تحت ضغط الحاجة للبحث عن أجوبة لتحديات مستعصية لم تستطع الكنيسة أن تجيب عليها، وبدأ التنظير في الأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع في القرن السادس عشر يؤسس لنهضة غربية حضارية انتهت بإزاحة المسلمين عن قيادة العالم. 

ثم جاءت الحداثة التي شكلت سيما العقلانية والإعلاء من قيمة العقل منطلقها وصار الفكر الغربي يتمحور في العصور الحديثة حول الإنسان والمادة باعتبار أن غاية المعرفة في فلسفة ديكارت هي فرض هيمنة لإنسان على الطبيعة وأصبح معيار صدق أي نظرية أو كذبها هو مردودها النفعي على الإنسان، وبدأت الفلسفة البرغماتية النفعية هي الحاكمة للسياسة والأخلاق والقيم وصار كل شيء خاضعاً للتغيير والنسبية.

ثم جاء عصر ما بعد الحداثة وسقطت معه المحاور الجاذبة للفكر وكان ذلك أمراً طبيعياً فمن عادة الأصنام المنصوبة السقوط المحقق، وصار فيه الفكر الغربي يتمحور حول أسئلة المستقبل المقلقة بعد سقوط الثقة بالعلم والعقل، والذي سقطت معه الإيديولوجيات الفكرية التي كانت تدعي لنفسها الوثوقية، وصار التمرد على كل شيء حتى على الحداثة نفسها هو أهم سمات هذه المرحلة التي بدأت بعد النصف الثاني من القرن العشرين، وبدأت تطرح مشاكل المستقبل المتعلقة بالحرب والسلام، ومستقبل الديمقراطيات والأنظمة الاقتصادية والتنمية والأخطار المحتملة وظهر الفكر النكوصي إلى ما قبل الحداثة متمثلاً ليعود اليمين المتطرف باعتبار أن الحداثة فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق السعادة والطمأنينة للإنسان لتلقي الحداثة بالإنسان في ذلك العراء البارد بدون ركن وثيق ولا يقين يبعث على الطمأنينة والسكينة. 

وهكذا نجد الفكر الغربي في كل مرحلة تاريخية ينجذب بشدة للهروب من الصنم القديم إلى الصنم الجديد ويكفر بالمحور القديم وأضحى التنقل التاريخي بين هذه المحاور محكوماً لردة فعل لا واعية تجاه مساوئ العقيدة الفكرية السابقة، والسبب في ذلك كان عجز الفكر الغربي عن بناء حدود التوازن بين الكون والإله والإنسان، وصياغة علاقة صحيحة بين هذه المراكز الثلاثة مما أورث الحضارة الغربية الكثير من العلل الدفينة في بنيانها والتي لم تستطع أن تتغلب عليها.

أما بالنسبة لنا نحن المسلمون

فإن ما يميز رسالة الإسلام التي ولدت الأمة معها تاريخياً وحضارياً، هو أنها جاءت بمنظومة فكرية متوازنة، الحقائق عندنا كامنة، بين نصوص الوحي الصحيحة، والعقل الصريح، والواقع الموضوعي، والمستقبل المشرق.

واستطاع الإسلام أن يبني علاقة صحيحة بين الله والإنسان والكون، فالعلاقة بين الإله والإنسان والكون هي علاقة استخلاف من الإله للإنسان في هذا الكون، والاستخلاف قائم على جانبي التعبد بمفهومه الشامل، والعمارة بمعنى اكتشاف قوانين تسخير الكون لهذا الانسان، والكون هو كتاب منظور يشهد للإله بالخالقية والإبداع ويرشد الإنسان إلى الحقيقة اليقينية الكبرى في الإيمان والتوحيد.

وعليه فقد كانت النصوص القرآنية متظاهرة على استثارة العقل ودفعه نحو الاستكشاف.

كما قال تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت :53] 

إن هذا المنهج الرباني منهج يجمع كل ما عند الغرب من حسنات التعقل وتكريم الإنسان واكتشاف الكون ويطرح كل ما فيه من سلبيات التمحور والاستقطاب المتطرف إلى درجة تأليه الأدوات والمادة. 

فقد جاء الإسلام منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

*بثورة على الاستبداد الروحي الذي يقيم الواسطة بين العبد والرب.

*وثورة سياسية ألغت الحكم والسلطة باسم الحق الإلهي.

*وثورة عقلانية ترفض كل أشكال التبعية العمياء والخرافات والإمعة، وجعل من العقل مناطاً للتكليف ومبعثاً للتكريم وأداة للاكتشاف.

لكن المشكلة الكبرى كانت تكمن في قدرتنا نحن المسلمين على التمثل الأرشد لهذا التوازن الذي يمنع البغي والطغيان بين الإنسان والكون وبين النص والعقل وبين الخالق والمخلوق التي أشار بها الوحي علينا وتمثل التوازن الذي رسمت حدوده رسالة الإسلام.

كما في قوله تعالى : { والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } . [ سورة الرحمن: 7 - 9 ] 

فقد وجدنا من تمحور حول العقل حتى أولجه في النظر بالغيبيات ليدرك كنه الغيبيات بعقله المحدود فما زاده ذلك إلا إعياءً.

ومن تمحور حول النص فابتلي بظاهرية جامدة لم تعد قادرة على مجاراة الحياة وتطورها مع حقائق النص والوحي.

ومن تمحور حول الإله بحجة الوجد والفناء حتى صار إلى الحلولية وتعطيل نواميس الكون بتضخيم شأن الكرامات والخوارق والكفر بالسببية باعتبارها مجرد علاقة اقتران.

ومن تمحور حول الكون والسببية المادية حتى صار إلى الإلحاد والكفر.

صحيح أننا بحاجة ماسة للإفادة من منجزات الحضارة الغربية، لكننا بحاجة في الوقت نفسه إلى ضبط حدود التوازن بين هذه المراكز بدون أن ننزلق في وهدة التمحور المتطرف حول (الإله، الكون، الإنسان، العقل، النص، الواقع، المستقبل) فالمسلمون اليوم ليسوا بحاجة للعودة للإسلام وإنما هم بحاجة إلى التقدم مع الإسلام الذي يسبقنا بأطوار ومراحل ونحن لا نزال نعيش حالة من الغيبوبة والتخلف الطويل عن المنهج الرباني، الأمر الذي انعكس في واقعنا إلى تخلف مخيف عن الغرب مشدودين دائماً إلى الماضي بدون وعي بمدركات الواقع الذي نعايشه فضلاً عن قدرتنا على استشراف مآلات مستقبلنا الذي نرغب به، ولا قدرة على استيعاب التحديات التي تنتظرنا، والتي تتطلب منا مزيداً من الاستعداد لمواجهتها والانتصار عليها إذا أردنا أن نبقى داخل التاريخ.

ولكن للأسف لا يزال المستقبل خارج تصوراتنا فنحن لا نزال نغوص في معارك الماضي البعيد ونستصحبها دائماً في حاضرنا، ونتخيل مستقبلنا البعيد بناء على منظومة من سيناريو معد مسبقاً حاكته روايات الملاحم والفتن وقسرتنا عليه عصا القضاء والقدر. نشك دائماً في حرية إرادتنا، ونتهم قدرتنا وإمكانياتنا.

إننا ونحن المرهقون في إرث الماضي والتاريخ نجتر معاركه وتحكمنا أساطير المستقبل في مرويات الفتن والملاحم التي تصيغ لنا مستقبلاً مرهقاً بالتشاؤم والسواد. لا يمكن أن نعبر نحو النهضة والحضارة وننافس الأمم المتقدمة، إلا أن نعود للمنهج القرآني المتكامل المتوازن، في توجيه الفكر الإنساني ضمن منطق السنن الصارمة وليس ضمن الأمنيات الكاذبة التي تجعل من الحلول حلولاً محكومة في طريقين عدميين لا ثالث لهما

*إما أن نكون نسخة كربونية من الغرب.

*وإما أن نكرر تجارب الماضي التي لا يمكن أن تتكرر. 





مشاركة