النهضة والتزاوج الناجح بين العصبة و الفكرة - أ. عباس شريفة


الخميس ٢٠ / حزيران / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 1142



                                                                                                                            النهضة 

                                                                                                     والتزاوج الناجح بين العصبة والفكرة 

تشكل الدولة في جوهر بنيتها المظهر الفوقي من ظاهرة الاجتماع السياسي وانعكاساً وامتداداً طبيعياً لعمقها الاجتماعي المشكل من عالم الأفكار والعلاقات والوجدانيات 

فالدولة كما يذكر ابن خلدون العصبة + الفكرة = الدولة 

وهنا علينا دراسة ثلاث مكونات أساسية تدخل في صلب تشكل الدولة أو الجماعة وهي: 

١- العصبة ومقدار قوة وقدرة هذه العصبة على حمل الفكرة والذود عنها ومقدار تماسك هذه العصبة فيما بينها ورصيدها الأخلاقي والمادي الذي يجعل منها رافعة قوية وجدار صد صلب في حمل وحماية الفكرة المعبر عنها بالمشروع. 

٢- الفكرة وعندنا يمكن أن تكون (الإسلام) بالمفهوم الحضاري: 

 وهنا تكمن المشكلة في تحديد نوع الإسلام الذي يتمثله القائد السياسي الذي يحمل فكرته ويعرضها على العصبة، لأن تحويل الساحة السياسية لساحة دعوية هو مؤذن بتفكيك الفكرة وتحويلها لعامل تشظي وضعف، مع إشعال الصراعات الفكرية بين التيارات الإسلامية المختلفة، لذلك لا بد للسياسي حتى يحافظ على قدرة الفكرة على الجذب والتجميع والحشد من خطاب الإسلام العام الحضاري المعلوم بالضرورة المتفق عليه بعيداً عن الإيديولوجيا المفرقة. 

٣- الزواج الموفق بين العصبة والفكرة وحتى يتم هذا الزواج يجب أن يكون عن رضى وطواعية وليس بالغصب والإكراه كما تتصور بعض الجماعات الإسلامية ويجب أن تتحقق كفاءة الزوج وهو (العصبة) وصلاح الزوجة (الفكرة) وهنا نقصد القابلية للحياة وتحقيق الإلهام. 

وفي حالة الفشل فنحن أمام ثلاثة احتمالات: 

١- حرب أهلية وصراع طائفي ومذهبي عند تعدد الأفكار وعدم القدرة على إدارة التنوع الفكري في المجتمع، وتعدد العصبيات والفشل في إدارة العصبيات المتعددة في وحدة المشروع. 

٢- احتلال خارجي وحكم قهري استبدادي تابع للاستعمار يدير العصبيات المتنازعة والأفكار المتصارعة بالقوة والقهر. 

٣- بديل علماني يعوض فشل التزاوج بين العصبة الاجتماعية المتفسخة والفكرة الإسلامية المرهقة بإيديولوجيات متصارعة كل منها يعتقد أنه يمثل النسخة الأصلية من الإسلام.

العالم الإسلامي اليوم يقف في حالة استعصاء سياسي فلا هو استطاع إيجاد عصبة بديلة عن الترك بعد سقوط الخلافة العثمانية، لتقوم بمقتضى الشرع، ولا استطاع التحول الديمقراطي ليقوم بمقتضى العقل. 

والسبب هو أن القبلية السياسية هي مانع اجتماعي من التحول الديمقراطي. 

والعصبة المتفسخة والفكرة المرهقة مانع من عودة الاستئناف الإسلامي.

لذلك بقيت الأمة ترزح تحت نير الاستعباد والاستبداد والنظم السياسية القائمة على مقتضى الغريزة والشهوة. 

وهنا نحن بحاجة لعملية إصلاح مزدوجة، إصلاح مجتمعي وإصلاح فكري. 

إصلاح مجتمعي لإعادة الإحياء التربوي والتماسك الاجتماعي الذي يمهد لولادة العصبة الناصرة للأمة. 

وإصلاح فكري لإعادة التجديد الفكري وإعادة صلاحية فكرة الإسلام الذي نتصوره لإيجاد المشروع الذي ستحمله العصبة.

ولضمان هذا الاستمرار كان لا بد من الحاجة لسنتين ربانيتين: 

1- سنة الاستبدال للعصبية المرهقة (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم). 

2- وسنة التجديد لصيانة الفكرة وضمان صلاحيتها لحاجة العصر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في "المقاصد الحسنة" 

ولا بد للعصبة الفاعلة أن تكون مؤلفة من:

1- قاعدة صلبة مؤمنة بالفكرة إيماناً راسخاً من السابقين الأولين. 

2- وأطراف مرنة مناصرة للفكرة مصلحة أو عصبية. 

ولا بد للفكرة الناجحة من أن تتكون من: 

1- جانب ثابت يمثل المعتقد والمسلمات والمعلوم بالضرورة. 

2- ومن جانب مرن يتحرك ويتغير من خلال الاحتكاك مع الواقع ويجري تغيرات الزمان والمكان.  

3- وأن تكون الفكرة متوازنة في ذاتها لا يبغي فيها جانب على آخر. 

فمن أزمات الفكر الإسلامي تضخم مفهوم الخلافة بمعناها السياسي (الدولة والسلطة الإمبراطورية) على حساب مفهوم الخلافة بمعناها الحضاري القائم على ثنائية: 

1- (العبادة بمفهومها الشامل للتعاملات والشعائر).   

2- (والعمارة بمعنى اكتشاف قوانين التسخير في المخلوقات).

وهذا ربما يكون مدخلاً لإصلاح الفكرة الإسلامية المحورية.

وبعد إصلاح العصبة والفكرة لا بد من قضية ثالثة وهي عملية التزاوج كما حصل التزاوج في بيعة العقبة الثانية بين الدعوة الإسلامية وبين الأنصار عن رضاً وطواعية.

طبعاً حتى لا يكون الكلام إيديولوجي استنساخي لكلام ابن خلدون لا بد من الوقوف على الفارق العصري. 

وهو العامل الدولي والتدخل الخارجي الذي تحول لعامل مؤثر أكثر من العامل الداخلي في عصرنا الحاضر.

وهنا لا بد من البحث عن: 

1- العصبة الدولية لحماية العصبة الإقليمية فاليوم لدينا المعسكر الغربي ولدينا مجموعة شنغهاي ولدينا لأطلسي، ومجموعة بركس ....... 

2- والبحث عن العصبة الإقليمية لحماية العصبة الوطنية المحلية ....... 

3- وفي حال تعدد العصبات المحلية لا بد من توليف هذه العصبات وإدارتها بما يجعل من مجموعها عصبات متعاونة في حمل الفكرة وإلا ستتحول إلى حالة استتباع للتجاذبات الإقليمية والدولية  ثم لساحة صراع إقليمي - دولي . . 

والدكتور محمد عابد الجابري طور مفهوم العصبة ليشمل التنظيمات والتيارات الفكرية ولم يقصره على المفهوم العشائري القبلي. 

فاليساريون يشكلون اليوم فيما بينهم عصبة والقوميون والتيار الإسلامي يتعصبون فيما بينهم، لكن هذا خاضع لمعايير نسبية ترتفع تارة وتنخفض تارة أخرى بناء على قوة ونوع العصبة وضعفها.

حتى في التاريخ وجدنا أن الفكرة الإسلامية بعد الخلافة الراشدة لم تعد كافية بعموميتها وتحولت الدولة إلى نثار من أفكار جزئية في الإسلام فكانت الجبرية الأموية، والقدرية العباسية، والأشعرية في دولة الموحدين، والحنبلية عند المرابطين، والمَاتُرِدية الصوفية عند السلجوقيين، والشيعية الإسماعيلية عند الفاطميين، والحنفية الماتُرِدية عند العثمانيين، والجعفرية الرافضة عند الإيرانيين، والوهابية عند السعوديين. 

ربما استطاع صلاح الدين الأيوبي إدارة المذاهب المتعددة لكن بقي الاتجاه الصوفي الأشعري الشافعي هو الغالب على الدولة.

هنا يمكننا الحديث عن النتيجة الحاصلة من تزاوج العصبة مع الفكرة وهي تمس كلاً من الفكرة والعصبة. 

١- بالنسبة للفكرة ستكتسب القوة والحماية وتنزل من عالم الأفكار المثالية إلى عالم المشروع وأي فكرة تنزل لعالم التطبيق فإنها لا تبقى على ذاتها ويكتشف مع تطبيقها جوانب النقص والخلل الذي يحتاج لسده بالاجتهاد والتجديد. 

2- وبالنسبة للعصبة ستتحول من حالة البداوة إلى التحضر ومن الفرقة إلى الاجتماع ومن الذل إلى العز ومن هامش التاريخ إلى صناعة التاريخ.

٣- وبالنسبة للفائدة المشتركة فهي التماسك العضوي في بنية الدولة حين تمثل الفكرة جانب النظام في الدولة وتمثل قيم المجتمع وبالنسبة للعصبة ستمثل الجانب المادي من الدولة والسلطة الممسكة بحكم الدولة والحامية للفكرة.

 

 وهنا لا بد من الحديث عن الانزياح العصبوي للدولة، وذلك حين تضطر السلطة للبحث عن عصبة بديلة لحمل المشروع: 

• إما لضعف العصبة عن تأدية الدور في حماية النظام. 

• أو أن تتحول العصبة إلى خطر على السلطة يُخاف منها الانقضاض على السلطة بعد توغلها وتحولها من مجرد حامٍ إلى شريك. 

أو استبدال الفكرة من قبل السلطة الحاكمة: 

• كما انقلب الإيرانيون مع إسماعيل الصفوي من المذهب السني إلى الفكرة الإمامية.

• وكما انقلب العباسيون من الولاء لآل محمد إلى الفكرة الاعتزالية، ثم عودتهم إلى الفكرة السنية من جديد. 

• أو كما يبحث السعوديون اليوم عن فكرة حداثية بديلة عن الوهابية المرهقة. 

وأعتقد أن هناك فرقاً بين العصبة التي تقوم عليها الدولة والعصبة التي تقوم بحماية الدولة بعد قيامها فالأموية قامت على أهل الشام ثم تنازعتها اليمانية والقيسية. 

أما العباسية فقامت على عصبة الفرس ثم قام أبو جعفر المنصور بقتل أبي مسلم الخرساني، وتحولت مع المأمون إلى عصبة الترك وخرج العرب معها من التاريخ. 

 إن  من طبيعة الأحزاب والجمعات والدول عندما تحدق بها الأخطار، فإنها تقدم أصحاب الولاء على أصحاب النزاهة والكفاءة

( ولهذا الأمر جانب إيجابي وجانب سلبي

١- إيجابي: وهو صلابة الأسوار الخارجية. 

٢- وسلبي: وهو هشاشة البنية الداخلية.

وهذا يؤدي إلى: 

1- تراجع الكتلة الصلبة عن القيادة وتشكل طبقة من الفاسدين المنتفعين حول القيادة. 

2- وهو بدوره ينعكس على تآكل الحاضنة الشعبية. 

3- ثم ينتهي بحركة انقلاب إصلاحي في صورة حركة تجديدية.

والانقلاب الإصلاحي له سناريوهات مفتوحة

1- انشطار الحزب على نفسه وتحول اللوبيات إلى أحزاب متولدة من رحم الجماعة الأم . 

2- استهلاك رصيده الأخلاقي من خلال تآكل القيم المعنوية التي يرفعها (العدالة،  الحرية ، التنمية). 

3- انهيار رصيده المادي من الإنجازات المادية والسياسية التي يعتاش  الحزب عليها في كسب المشروعية. 

لأن أخطر ما يتهدد الجماعات هو نوعان من الانشطارات

1. الانشطار على المستوى العصبوي وهو الخلاف بين الجماعة على الزعامة والسلطة. 

2. أو الانشطار على مستوى الفكرة بين محافظين يرفضون التأويل ويتمسكون بحرفية الأدبيات، وبين إصلاحيين يرون ضرورة تطوير البناء الفكري بما يتناسب مع احتياجات العصر. 

وهنا عند الاستعصاء الإصلاحي تدخل الجماعة مرحلة الإفلاس الشعبي والمادي والمعنوي، ثم تتحلل المنظومة بشكل كامل وتبدأ دورتها الحياتية وتخلقها من جديد   من خلال سنة الاستبدال من الجيل اللاحق، وهنا ندخل بنظرية الدورة الحضارية التي تحدث عنها ابن خلدون ليشكل السقوط تحدياً يبعث على سؤال الانتهاض من جديد. 

 

عباس شريفة   / استنبول /   11 / 6 / 2019 م. 

 

 

 




مشاركة