الأزمة أعمق ممّا نظنّ - أ. عباس شريفة


الخميس ١٨ / تموز / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 1177



المشكلة أنّنا في تعاملنا مع ظاهرة المشايخ الموالين للنظام، نكتفي بالسبّ والشتم والهجاء، وإظهار الانحدار الأخلاقيّ في موقف هؤلاء الممالئين للظلمة.
ولا نحاول فهم الظاهرة وتحليلها، والوقوف على أسبابها وديناميّاتها، التي تعود في الغالب لسببين
؛ كلّ منهما يغذّي الآخر: 
الأوّل مصلحيّ أيديولوجيّ: 
فكثير من هؤلاء بعد أن ارتبطت مصالحهم بوجود النظام، صاروا يخافون على مصالحهم ويعتبرون الثورة هي ثورة السلفيّة على الصوفيّة، أو الحنابلة على الأشاعرة، أو ثورة العلمانيّة على الإسلام. 
إلى درجة توظيف قضيّة مثل قضيّة نبش قبر الشيخ محمّد النبهان في مدينة حلب، وقبر الإمام النوويّ في بلدة نوى، من بعض الجماعات، على أنّه فعل صادر من الثورة المعادية لمقدّسات هؤلاء المشايخ. 
وأنا هنا أرجّح أنّ الفعل كان مدبّراً لشدّ عصب هؤلاء أمام خطر وجوديّ يستهدف تيّاراً دينيّاً بعينه...
والثاني راجع إلى تغذية تراثيّة مناهضة للثورة 
وهنا يجب ألّا يستغرب بعضنا مواقف الكثير من المشايخ المتماهية مع الأنظمة الاستبداديّة.
والمواقف المتطيّرة من الثورة، ورفض الانحياز للشعوب في خيارات الحرّيّة والتحرّر ومواجهة كلّ ذلك بتبريرات من فقه التراث. 
فمن يطالع الفقه السنيّ الذي كتب بعد الثورات الخمسة الفاشلة يجده فقهاً مختلفاً لِما قبلها. 
١ _
ثورة أهل المدينة بقيادة عبد الله بن مطيع، وعبد الله بن حنظلة، التي انتهت بمأساة الحرّة.
٢_ وثورة الحسين بن عليّ رضي الله عنهما التي انتهت بمأساة بكربلاء. 
٣_ وثورة مكّة المكرّمة بقيادة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي سيطر على الحجاز والعراق ومصر، ثم انتهت بهدم الكعبة وصلبه.
٤_ وثورة التوّابين في العراق بقيادة الصحابيّ سليمان بن صرد، ضدّ يزيد بن معاوية، التي انتهت بمذبحة عين الورد.
٥_ وثورة الفقهاء على الحجّاج، بقيادة: عبد الرحمن بن الأشعث التي انتهت بهزيمة دير الجماجم.

إنّ فشل هذه الثورات في القرن الهجريّ الأوّل، عمّق الشعور باليأس من التغيير والإصلاح المسلّح، ومال الكثير من الفقهاء لإجراء موازنة فضّلوا فيها وحدة الأمّة والأمن على الشرعيّة السياسيّة، واستعادة الشورى.

ثمّ نظر لهذه النظرة التشاؤميّة فقهيّاً حيث اقترنت فيه الثورة بالفتنة، وهكذا تحوّل الفقه السنيّ ضمن سياق تاريخيّ معيّن إلى فقه يؤصّل للتوريث والتغلّب، ويفرغ الشورى من مضمونها بجعلها مندوبة غير ملزمة.

وتمّ الخلط بين الخروج العقديّ والخروج السياسيّ على الحكم الفاسد، لدرجة أصبح الخارج عن الحكام مجرماً، وصارت طاعة وليّ الأمر من العقيدة، التي يتميّز بها أهل السنة والجماعة، على أيّ حال كان هذا الوليّ.

ثمّ تحوّل هذا الفقه المؤوّل إلى دريئة يتستّر خلفها كلّ من يقف بصفّ الطغاة والظّلَمَة.


وهذا يجعلنا نقف طويلاً على عمق الأزمة، فالثورات الناجحة تحتاج لقاعدة صلبة ومتينة من التنظير الفقهيّ والثقافيّ والسياسيّ والاجتماعيّ، التي تشرعن حركة الشارع وتدفع بها نحو غايته في استكمال عمليّة البناء والهدم.
ولعلّ هذا ما أراده عليّ عزت بيغو فيتش بقوله: الثورة بلا فكر هلاك محقّق.

إنّنا أمام منظومة استبداد متحالفة من الحكّام، ومشايخ السلطان، وطبقة التجّار، الفسقة، ومليشيّات الأقلام المأجورة ... يتقاسمون مساحات السيطرة والاستبداد فيما بينهم. 
فالحكام يمارسون الوصاية على الأبدان ويستأثرون بالسلطة. 
والمشايخ يمارسون السيطرة والوصاية على الأرواح ويستأثرون بدور التربية والتديّن. 
والتجّار يحتكرون السوق ويستأثرون بالثروة. 
ومليشيّات الأقلام يدجّنون عقول العامّة ويستأثرون بالمكانة الثقافيّة والمعرفيّة.
يضعون بينهم الحدود الفاصلة لمملكاتهم الخاصّة، وكلّ عصابة تعترف للعصابة الأخرى بحدود صلاحيّتها ومملكتها. 
ولكن عند التعرّض للخطر يعملون كمنظومة واحدة، للحفاظ على بعضهم بعضاً، لأنّ سقوط أيّ حجر من أحجار الديمنو يعني سقوط الجميع. 
فالمشايخ يستقوون بهيبة السلطان على خصومهم من التيّارات الدينيّة المنافسة (الإخوان والسلفيّة )، والسلطان يستعين بألسنة علماء السوء لتطويع الشعوب، وتجريم الثلّة الثائرة على أنّها مجموعة تخريب مارقة. 
والتجّار يموّلون مليشيّات الأقلام والمشايخ الذين يزيّفون الوعي، ويزوّرون الحقيقة. 
لكن يبقى الفقه المؤوّل هو عامل التبرير والتوظيف في الأساس في المعركة، والذي تستند عليه المنظومة المشيخيّة الأسديّة في تصوير موقفها على أنّها الموقف الدينيّ الأخلاقيّ. 
وهنا يتحتّم علينا أن نغوص في جذور الصراع، وهو العودة للاجتهاد والتجديد،  واستعادة الفقه السياسيّ المنزّل، الذي يؤصّل للشورى واختيار الأمّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتّى للسلطان الجائر، الذي تمّ تغيبه لصالح الفقه السياسيّ المؤوّل والمبدّل. 
انتهى

 





مشاركة