هل نجم الأحزاب إلى أفول - أ. عباس شريفة


الإثنين ٣٠ / أيلول / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 849



لم تكن محنة الإنسان العربيّ مع الأحزاب المعارضة التي تدّعي تمثيله تقلّ عن محنته مع أنظمته الاستبداديّة الديكتاتوريّة عمقاً، هذه الأحزاب التي طالما بقيت مرهقة بحمولتها الإيديولوجيّة واستقطاباتها السياسيّة، وخطابها المحموم بالهجاء، والتنابز بالألقاب، والادّعاء المجوّف بتمثيل الشعب وإرادته، هذه الأحزاب باتت اليوم تفقد الكثير من بريقها وجاذبيّتها، لوجود المواطن المنهك من فشل الطبقة السياسيّة بعد أوّل اختبار لها على المحكّ، عندما اختلّت بالسلطة وأخلي بينها وبين صناديق الاقتراع. 

إنّ هذه الأحزاب السياسيّة اليوم بشتّى توجّهاتها إسلاميّة كانت أم علمانيّة أو وطنيّة كانت بمثابة اختيار الضرورة للمواطن العربيّ، عندما شغر الفضاء السياسيّ ممّن يمثّلها حقيقة، ولم تكن خياراً مبدئيّاً للشعوب، التي سرعان ما نفضت يدها وسحبت ثقتها من هذه الأحزاب بعد فرص من التجارب والاختبار. 

إنّ ما جرى في تونس من سقوط المرشّحين المتحزّبين، وفوز المرشّحين المستقلّين، لم يكن له أيّ علاقة بالبعد الإيديولوجيّ أو التوجّه الفكريّ.

إنّ ما جرى في تونس كان عقوبة لكلّ الأحزاب السياسيّة التقليديّة التي تولّت السلطة وفشلت في حلّ مشاكل المواطن التونسيّ المتعلّقة بالتنمية والبطالة، كان ردّاً على فشل الطبقة السياسيّة التي أهدرت سنوات الحكم بالمحصّصات السياسيّة والصرعات الإيديولوجيّة بعيداً عن لمس هموم المواطن، كان تعبيراً صارخاً وواضحاً عن كفر القاعدة الشعبيّة بالأحزاب الكلاسيكيّة كلّها، وقصاصاً جاء وقتها على سنوات من إضاعة البوصلةـ واضطّراب الأداء السياسيّ بعد كلّ الذي منحوه من ثقة. 

وإن كان العقاب الذي انصبّ على حركة النهضة الإسلاميّة هو الأخفّ من نوعه، لكنّها كانت من جملة المعاقبين على تحالفها مع ذيول النظام البائد أوّلاً، وعقوبة على التذبذب في خطاب الثورة ثانياً، وعلى تكلّس القيادة القابعة في القيادة عقدين من الزمن بدون دماء شابّة جديدة.

 إنّ فوز (قيس سعيد) بانتخابات رئاسة الجمهوريّة شكّل نقطة تحوّل مهمّة في طبيعة التنافس السياسيّ، تحمل في دلالتها مؤشراً إلى فقدان الاحزاب الكلاسيكيّة بريقها وجاذبيّتها للشباب الصاعد من كلّ التوجّهات والتيّارات، وتؤشّر إلى تراجع كبير لدور الإعلام في قدرته على الحشد والتأثير في رأي الناخب، فلم يعد ذلك الأثر المؤثّر في تلميع المرشّحين، وصناعة الرموز التي يقتنع بها الناخب. 

فـ (قيس سعيد) التكنوقراط:

• الذي رفض مبلغ التمويل المخصّص لحملته الانتخابيّة والمقدّر ٢٥ ألف دولار.

• والذي لم ينشر له أيّ مقابلة تلفزيونيّة، ولا صورة دعائيّة على الإعلام.

• ولم يزر أيّة ولاية تونسيّة، ولا دولة خارجيّة في حملته الانتخابيّة. 

• والداخل في المنافسة بدون برنامج انتخابيّ ولا خطاب إعلاميّ. 

 مع ذلك يحصد المركز الأوّل.

لن تجدي مع هذه النتيجة الصادمة التفسيرات التي تقول بالردّة للشعبويّة السياسيّة التي تجتاح حتّى الأحزاب الغربيّة في الغرب، ولا تقف عندنا نحن في العالم العربيّ، ولا التعلّل بمثالب الديمقراطيّة، وتخطيء الشعب في خياراته، فإنّ هذه التبريرات لا يمكن أن تغطّي وجه الحقيقة المخيف بالغربال، إنّها الحقيقة التي تقول: إن الأحزاب السياسيّة أخذت فرصتها وفشلت في أن تكون مقنعة للمواطن الناخب، لماذا لم تكن مقنعة؟ هذا ما يجب على الأحزاب أن تتجرّع مرارة الإجابة عنه بشجاعة وشفافيّة. 

إنّ هذا التحوّل الملفت يضع الأحزاب السياسيّة أمام المرآة لتبصر نفسها شائخة عاجزة عارية من الزينة الخطابيّة كلّها، والتكاثر الجماهيريّ لتدارك مَواطن خللها، وسرّ تراجعها مستدركة الأسباب، متواضعة لتناول العلاج، الذي سيمسّ بعنف قياداتها المتكلّسة التي قبعت على رئاسة الحزب أكثر ممّا جلست الأنظمة الاستبداديّة، وسيمسّ خطابها المنمّق الذي يخفي الحقيقة عن الشعب أكثر ممّا يبدي من الصراحة، وبرامجها التي تتجمّل فيها بالدعاية، ولا ينفّذ منه شيء بعد ان تمنح الثقة . 

أعتقد أنّ ما حصل اليوم كان درساً بليغاً للحركة الإسلاميّة لتعيد حساباتها، ولتتعلّم كيف تكون أقرب من الشعب، ولتدرك أمراً بغاية الأهميّة وهو: أنّ الإسراع في مراعاة الأطراف الدوليّة، والكتل المنافسة على حساب إرضاء قواعدها، سينتهي بها إلى خسارة حلفائها المحليّين والدوليّين، مع خسارة ثقة قواعدها التي أكلتها المناورات والانعطافات الحادّة في زواريب المصالح الحزبيّة، دون مراعاة للمصالح الوطنيّة، بالنهاية على الأحزاب أن تدرك أنّ من يتحالف معكم من الكتل السياسيّة، ومن يفتح لكم الأبواب من الدول هو ينظر لثقل من تمثّلون من الشعب، والصوت الذي تعبّرون عنه، والتأثير الذي تحظون به، وليس لضخامة اسمكم وتاريخكم المجيد، فإنّ ضحيّتكم بكلّ هذا لن يكون من داع للدول أن تفتح لكم الأبواب، ولا للكتل أن تمدّ لكم يد التحالف، ولا للمواطن أن يمنحكم ثقته وصوته الذي لم تعبّروا عنه. 

وإنّ التمسّك بالقيادة التي أخذت فرصتها زماناً وإمكانيّات، ولم تحقّق المطلوب منها، فحقّها التغيير والاستبدال، بقيادة شابّة تعبّر عن نبض الشارع، وتتحلّل من تركة التاريخ المرهق، وتنطلق بروح وعزم جديد للمصالحة مع الشارع، لاستعادة الثقة معه، والذي بدت عليه الجفوة ظاهرة في صفعة تحذير، والتي إن لم تعالج أسبابها، توشك أن تتلوها الصفعة القاتلة الأخيرة. 

 
 




مشاركة