المجتمع التواصليّ - أ. عباس شريفة


الجمعة ٢٥ / تشرين الأول / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 576



لا يمكن لأمّة أن تتعايش مكوّناتها في رقعة الوطن الواحد بلا ميثاق وعقد سياسيّ، ينظم علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة السلطة بالشعب، ولا يمكن لهذا الدستور أن يكون معبّراً عن روح الشعوب منسجماً مع ثقافة الأمّة إلّا أن يكون انعكاساً ضروريّاً عن العقد الاجتماعيّ بين هذه المكوّنات، والعقد الاجتماعيّ هنا لا نقصد به موادّ مكتوبة، وإنّما أمور تعارفت عليها الشعوب، واستقرّت في ثقافتها وغدت من البداهة والوضوح بحيث يلتزم بها الغالب في قواعد التعامل، ولا يناقش فيها أبداً وتبقى هذه الثقافة والأعراف هي البنية التحتيّة التي تشكّل الرافع والرافد لأيّ عقد سياسيّ مكتوب. 

 ولأنّ سلطة القهر والاستبداد تعمل على تفصيل العقد السياسيّ على مقاسها الخاصّ والعبث في الدستور دون الرجوع لرأي الشعب، فإنّها تتّبع سلوكاً ممنهجاً في تحطيم كلّ الأواصر الاجتماعيّة والروابط المدنيّة والنقابيّة، وضرب حتّى التماسك القبليّ والأسريّ لتفتيت المجتمع إلى لبنات هشّة، يسهل تطويعها لرغبات السلطة، وتفقد مع هذا التفكيك والتقطيع أيّ إمكانيّة للتجمّع والتجمهر ضدّ السلطة فلا تجتمع إلّا تحت السقف المتاح لها ولا تتّفق إلّا على ما تمليه عليهم. 

عندما تمعن أنظمة القمع والاستبداد في إفساد البنيّة الاجتماعيّة الصلبة، فإنّها تحرّك الذاكرة التاريخيّة والهواجس النفسيّة لدى المكوّنات، بحيث تترسّخ ثقافة الخوف، خوف الكلّ من الكلّ، وبفضل هذا الشعور من الخوف المتبادل ترى هذه المكوّنات في سلطة القمع بالرغم من كلّ مثالبها الحصن الضروريّ من الانزلاق لحال التوحّش الذي ترعاه السلطة نفسها، وهكذا تضمن سلطة الاستبداد استدامة حكمها للجميع، عن خضوع وطواعية، لأنّ الجميع يرى فيها وحشاً مقنّناً يحميه من توحّش فوضويّ. 

وبذلك يتوارى العقد الاجتماعيّ الراسخ، والسلّم الاجتماعيّ الطوعيّ ويختزل هذا العقد بوجود النظام القاهر للجميع، خوفاً من ظهور مكوّنٍ يقهر تلك المكوّنات، لكنّ النظام المستبدّ عندما يسعى لقهر الجميع، فهو بحاجة لعصبة اجتماعيّة يقهر الجميع من خلالها، وهي العصبة المتحالفة مع السلطة. 

أمام هذه التركيبة المعقّدة لبنية السلطة والمجتمع المقهور، التي تضعنا أمام تحدّ كبير، ونحن نسعى في ثورة التغيير، والتحوّل الديمقراطيّ، والانتقال من تعاقد الإذعان إلى العقد الاجتماعيّ الحرّ، وهنا لا بدّ من إعادة قواعد العقل التواصليّ بين هذه المكوّنات، كما يقول الفيلسوف الألمانيّ يورغن هابرماس في نظريّته: الفعل التواصليّ، حيث يعتبر أنّ خوف الشعوب والطوائف هو ناتج عن خطأ التواصل، وبناء صور ذهنيّة عن الآخر، بناء على ما تغرسه السلطة في نفوس الشعوب، عبر استعمال المرأة المقعّرة تارة، والمحدّبة تارة أخرى، لتشويه صورة الجميع في عين الجميع ، وليس نتيجة الفعل التواصليّ الذي ينصب المرايا المستوية بين هذه المكوّنات، والذي من شأنه أن يعكس صورة واقعيّة، نكتشف أنّ من صوّر لنا كوحش هو بالحقيقة إنسان، ومن شأنه أن يذوب الجليد، ويمدّ الجسور، ويزيل الهواجس والخوف، وحينها يشعر الجميع بخديعة السلطة الكبرى، عندما احتكرت فعل التواصل الاجتماعيّ، إلّا من خلال ما توصله لخيال الشعب، من صورة موهومة عن بعضه بعضاً، لكن للأسف قد لا يتمّ اكتشاف هذه الحقيقة إلّا بعد جولات من الحروب الأهليّة وأنهار من الدماء. 

إنّ إدراك هذه الحقيقة يحتّم على المكوّنات إلى الاتجاه لمدّ شبكات التواصل إن أرادت أن تنعم بالسلام والعيش المشترك، ببلد حرّ ديمقراطيّ، ليست السلطة بحاجة فيه لاحتكار قنوات ومنابر التواصل، التي تعزّز من خلالها كلّ نزعات الكره والقابليّة للعنف والتوحّش. 

 وهذا الأمر هو من الأهميّة بمكان ومقدّمة ضروريّة لإنجاز العقد الاجتماعيّ الذي يكتبه حكماء المجتمع ومفكروه، وليس من خلال الوصاية الدوليّة التي تجعل منه زواجاً أشبه بزواج القصر، الذين لا يدركون مصالحهم وإدارتها إلّا من خلال وصيّ يهديهم، وإن لم يكن العقد الاجتماعيّ والسياسيّ والدستور هو من إخراج حكماء، ورؤوس المجتمع، القادرين على إخراج المجتمع من حلّة الاحتراب إلى حال السلام والتضحية في سبيل ذلك، وإلّا فكّل محاولة لفرض عقد سياسيّ يعبّر عن المصالح الدوليّة سيبقى هشّاً لا تتلوه أيّ خطوة، لإحداث تغيير سياسيّ واجتماعيّ، يضمن التعايش السلميّ والاستقرار والتحوّل الديمقراطيّ . 





مشاركة