الدورة الحياتيّة للتنظيمات الإرهابيّة - أ. عباس شريفة


الإثنين ٢٨ / تشرين الأول / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 1601



لقد باتت التنظيمات الإرهابيّة بأيديولوجيّتها المتطرّفة، وتشكيلاتها العابرة للحدود، وقابليّتها للتوظيف والاستخدام في حرب الجيل الرابع من الحروب، حيث تقاتل عدوّك بالتكلفة الصفريّة من خلال هذه الأدوات القابلة للتوظيف، باتت اليوم جزءاً أساسيّاً، ولاعباً ارتكازيّاً في الصراعات الدوليّة والإقليميّة، لكن من خلال الاستقراء التامّ لتاريخ هذه التنظيمات المتدثّرة بشعارات الخلافة والدين، يلحظ الدارس أنّ هناك ثلاثة أطراف في معادلة الاستخدام والتوظيف: 

1- المستخدم المتحكّم الذي يملك وسائل تسيير هذه التنظيمات، والسيطرة عليها وتوجيهها، من خلال الآلة الإعلاميّة الجبّارة، وتيسير الدعم اللوجستي والاختراق، بحيث يتحوّل التنظيم إلى مخلب مطيع في يد الدولة المتحكّمة فيه.

2- وهناك المستخدم ضدّه: إنّنا نجد على الدوام أنّ هذه التنظيمات كانت ضحاياها حركات مقاومة للاستبداد والاحتلال، والشعوب الثائرة المنتفضة بقتل قادتها وناشطيها، وترك أنظمة القهر والاستبداد، لتقف أمام حركة الشعوب مانعاً لأيّ حركة تغيير، ومجهضة لأي تطلّع نحو الخلاص والحرّيّة. 

3- وهناك الجهة والإداة المستخدمة، وهي تنظيمات التطرّف والإرهاب، وهنا يجب أن نفرّق بين تنظيمات الإرهاب الشيعيّة التي تعمل لمصالح دولة الولي الفقيه، وتمارس إرهاباً مقنّناً ومنظّماً، بأهداف سياسيّة محدّدة، وبين التنظيمات الإرهابيّة الخارجيّة التي تقبل التوظيف لكلّ مصالح الدول، ما عدا مصلحة الشعوب المظلومة. 

وباتت هذه التنظيمات تمرّ بدروات حياتيّة واضحة ومحدّدة لا تكاد تخطئُها العين، ولا تخفى على المراقب المتتبع تاريخها وواقعها، وهي تمارس المسرحيّة المكرورة في صراع الإرهاب، والحرب على الإرهاب الذي يشبه صراع الفئران والهررة على بيدر الشعوب. 

- المرحلة الأولى: تبدأ الولادة من خاصرة فروع المخابرات، بعد حصول الزواج الحرام من ماء غلاة التكفير، ورحم السجون، مع كلّ ثورة حريّة وكرامة للشعوب ضدّ الاستبداد أو الاحتلال، فتفتح لهم أبواب السجون، ونفجأ برفع رايات سوداء في الحراك الشعبي، ومقاطع مرئيّة تدعو لإقامة الخلافة والدولة الإسلاميّة، بحيث تتحوّل الثورة من ثورة ضدّ نظم القهر والاستبداد، إلى معركة بين الدولة والإرهاب ما يعني منح الشرعيّة للنظم الاستبداديّة باستعمال أقصى أنواع العنف والإرهاب، ضدّ الشعوب بحجّة مكافحة الإرهاب.

- في المرحلة الثانية: يبدأ وصول الدعم اللامحدود من الموارد الماليّة والبشريّة لبلوغ ذروة القوّة والبطش بالشعوب الثائرة فتتقاطر حشود المهاجرين من المقاتلين الأجانب من كلّ حدب وصوب، تحدوهم أحلام إقامة دولة الخلافة الراشدة، وحيث ترى كلّ دولة في بؤرة الصراع الجديدة مناسبة للخلاص من الشباب المتطرّف، الذي يقضّ مضجع أمنها، لتتخلّص منهم بتلك المحرقة، وتصل مع ذلك أموال المتبرّعين من داعمي الجهاد، وتستعمل المؤثّرات البصريّة والقنوات الفضائيّة لخلق بروبوغندا إعلاميّة خادعة للشباب، ومغرّرة بالمراهقين، لدفهم نحو المحرقة، خصوصاً من نجوم الميديا والتويتر بأسمائهم المعروفة، ويخرج حتّى لمنظّرين من السجون، لإدارة التوجيه الفكريّ لهذه التنظيمات.

- المرحلة الثالثة: تبدأ هذه التنظيمات بمعركتها ضدّ الشعوب الثائرة لضرب أيّ مشروع ينادي بالحريّة والديمقراطيّة باعتباره مشروعاً كفريّاً لا يتّسق مع الدعوة لإقامة الحاكميّة والخلافة في منهاج النبوذة، فتقتل الثائرين، وتصفّي الناشطين، وتلاحق القادة والرموز الثوريّة إلى أن تدفعهم لبلاد اللجوء، وتخلو لهم الأرض، ليقيموا مشروعهم التدميريّ ويفرحوا بوهم القوّة والتمكين.

المرحلة الرابعة: بعد إنهاء المهمّة، واكتمال مشروعها التدميريّ في ضرب ثورات الحرّيّة والكرامة، حيث تتنفّس الأنظمة الاستبداديّة الصعداء، تفتعل قضيّة تهديد حياة الأقليّات، واستهداف الغرب، ولا يكون للمذابح التي ترتكب ضدّ الأكثريّة الثائرة أيّ تأثير في تحريك الضمير العالميّ لمحاربة الإرهاب قبلها، ولكن تبدأ مسرحيّة الحرب على الإرهاب، بذريعة أنّ الإرهاب بات يهدّد الغرب، وحياة الأقليّات. 

المرحلة الخامسة: وبعد أن تؤدّي هذه التنظيمات دورها في تدمير الأوطان، وتأهيل نظم الفساد والاستبداد والإرهاب، يتمّ التخلّص منها ومنح الشرعيّة للجهات التي تمتك الحقّ وحدها دون غيرها في محاربة الإرهاب، ثمّ يتمّ التخلّص من قادتهم، ويصفّق القطيع لمشغّلي الإرهاب الكبار، يستثمر قتلهم لصالح موازنة سياسيّة، لصالح المنافسات السياسيّة في الداخل الأمريكيّ، فقد استثمر (بوش الابن) مقتل الزرقاويّ، وحصل على ولاية انتخابيّة ثانية، واستثمر بارك أوباما مقتل (بن لادن) وحصل على ولاية انتخابيّة ثانية، واليوم يستثمر ترامب مقتل البغدادي، وهو يبحث عن ولاية ثانية.

المرحلة السادسة: وبعد حرق الشباب في مشاريعهم التدميريّة وتدمير الأوطان وتأهيل الاستبداد، تعود الشعوب لنقطة ما قبل الصفر، لترث أوطاناً مدمّرة، وأنظمة أكثر وحشيّة واستبداداً، ولتعود هذه التنظيمات لفترة كمون أخرى، بانتظار ثورة قادمة، وظروف من بيئة قد انهدمت منها حصون الوعي، وتعفّنت ظروف حياة جديدة، وتتوارى كما يختفي الأرنب في قبعة ذلك المهرّج، لكن في حالنا: مهرّج يضحك على الناس، وليس كالمهرج الذي يُضحك الناسَ. 

 

 





مشاركة