أزمة العولمة: فرص ومخاطر - د. ياسين أقطاي


الثلاثاء ٠٥ / تشرين الثاني / ٢٠١٩ - عدد الزيارات : 586



ربما نشعر اليوم بالعولمة وتأثيراتها أكثر من أي وقت مضى، لكن هناك من يتحدث أكثر عن أن العولمة تمر بأزمة بالقدر ذاته.

إن الإمكانيات التي ظهرت بظهور العولمة ويستفيد منها كل البشر تجعل العالم أصغر وأصغر بمرور الوقت، لتمكّن الجميع من الوصول إلى كل مكان والحصول على كل الإمكانيات كيفما أرادوا. غير أن هذا الوضع عاجز عن التغلب على رغبة العديد من البلدان في الانغلاق على نفسها أكثر، بل إنه يقوي هذه الرغبة ويعزّزها. يستطيع مواطنو الدول المميزة الوصول إلى أي مكان في العالم دون تفرقة وقتما يشاؤون، إلا أن استفادة مواطني الدول غير المميزة من الإمكانيات ذاتها يفضي إلى حالة من الاستياء في تلك البلدان المميزة.

إن الأمريكيين والأوروبيين اليوم لا يرغبون أبدًا في التنازل عن امتياز حرية التجول حول العالم كيفما شاؤوا، لكنهم يحاولون بناء سدود عالية للحيلولة دون تدفق مواطني البلدان التي يتجولون بها نحو دولهم. فأوروبا بعد أن جرّبت كل مميزات الاتحاد، تشهد انتشار كراهية الأجانب التي وصلت إلى حدّ يهدد الأسس التي قام عليها الاتحاد الأوروبي نفسه.

لا تجد أي وجهة نظر عقلانية يتبناها تيار اليمين المتطرف الذي تعلو شوكته في كل الدول الأوروبية. وفي الواقع، كانت أهم نقطة عمياء في التحليلات المتعلقة بالعولمة هي دعم الجميع لها لأنها تؤدي إلى فوز الجميع، وأنها منطقية وعقلانية بالنسبة للجميع. بيد أن البشر ليسوا عبارة عن آلات عقلية مطلقة، كما أنّ سلوكياتهم ليست عقلانية بشكل مطلق.

ولقد كان مقدّرًا للدول الأوروبية أن تأخذ هي الأخرى نصيبها من اللاجئين عقب اندلاع الأزمة السورية التي وقعت في مكان ما في العالم وانتشر تأثيرها في أرجاء المعمورة كافة منذ ثماني سنوات.

ولقد نظمت قناة TRT World التركية الناطقة بالإنجليزية المنتدى الدوري لهذا العام للحديث عن أهم القضايا التي تشغل العالم اليوم تحت عنوان "أزمة العولمة: الفرص والمخاطر"، وهو المنتدى الذي شهد طرح العديد من النقاشات الجادة للغاية على مدار يومين نُظم خلالهما بطريقة في منتهى الاحترافية بمشاركة أبرز المفكرين والسياسيين والناشطين والصحفيين في العالم.

وأرى أنّ المنتدى نجح في تنفيذ مهمة تتوافق مع دور تركيا في النظام الدولي الجديد من أجل اختيار اسم لأزمة العولمة وكشف النقاب عن الأسباب الخفية وراء هذه الأزمة.

لا يوجد أي دولة أكثر من تركيا لديها القدرة والإمكانية على الكشف عن أسباب فشل عملية التحول الديمقراطي في منطقتنا اليوم مع الكشف عن المسؤولين عن هذا الأمر وأصدقاء المنطقة وأعدائها. وإن الدول الأوروبية هي المسؤول الأول عن فشل عملية التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص. فالأوروبيون ليسوا أصدقاء الديمقراطية في منطقتنا، بل أعداءها، ذلك أنهم لا يتضامنون مع أي تطور سياسي في المنطقة، بل إنهم لا يشعرون بأدنى حرج بشأن التعاون مع الأنظمة القمعية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلاب على الديمقراطية؛ إذ إن الأوروبيين يفضلون هذه الأنظمة على القوى الديمقراطية ليتعاونوا معها في المجال السياسي.

ولا يخفى على أحد أنه ليس لأوروبا ولا الولايات المتحدة أي فضل على التطورات الديمقراطية التي يشهدها العالم حاليًّا، بل إنهما يساهمان بشكل كبير في ابتعاد دول العالم الإسلامي على وجه الخصوص عن مسيرة التحول الديمقراطي. فلا يغرنّكم اهتمام هؤلاء بمسائل حقوق الإنسان خصوصًا في تركيا وبعض الدول الأخرى عندما تشتهي أنفسهم ويكون ذلك في مصلحتهم. فتجد كلّ محاولات الانقلاب التي استهدفت موجات الربيع العربي التي بدأت قبل نحو 10 سنوات كحركة ديمقراطية عالمية نمطية وقد نجحت في الاندماج بسهولة تامة مع الهيكل السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة وأوروبا.

ولقد أضحت تركيا، في ظل هذه الظروف، مصدر إلهام لكلّ التطورات الديمقراطية التي شهدها الشرق الأوسط، كما صارت الدولة الوحيدة التي لم تبخل بتضامنها مع الشعوب المظلومة التي تعرضت للانقلابات العسكرية لاحقًا، ولم تكف عن تقديم الدعم بكل إخلاص وعلى أعلى المستويات لتلك الشعوب.

وبغض النظر عن إذا كنا سنسمي ما يحدث بالعولمة أو الديمقراطية، فإن تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بالتفوق الأخلاقي عندما يتعلق بالأمر بتمثيل كل هذه القضايا.

وربما يكون لهذا السبب شهدت كل المظاهرات الديمقراطية في دول المنطقة كمصر والجزائر وتونس وليبيا والعراق ولبنان ترديد شعارات مناوئة للانقلابي المصري عبد الفتاح السيسي الذي اقترن اسمه بالثورة المضادة للربيع العربي عندما ردد المتظاهرون "لا إله إلا الله محمد رسول الله، والسيسي عدو الله!"، بينما ردد المتظاهرون في العديد من البلدان شعارات مؤيدة للرئيس التركي أردوغان بقولهم "أرواحنا ودماؤنا فداء لك!". ولعل هذا الأمر يعتبر في غاية الأهمية للكشف عن ريادة الدور الذي تلعبه تركيا في النظام الدولي الجديد.

ومما رأيناه خلال الكلمات التي ألقاها المشاركون في منتدى TRT World فإننا يمكن أن نميّز الدور الرائد الذي تلعبه تركيا خلال عمليات التحول الديمقراطي حول العالم وفيما يخص المسائل الإنسانية.

ولقد تطرق الحاضرون كذلك لمسألة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي بوصفه مبشّر لموجة ربيع جديدة بدأنا نشهدها هذه الأيام في كل الدول العربية، وبوصف الجريمة التي ارتكبت بحقه رمزًا للأنظمة الظلامية المعادية للديمقراطية التي تحكم في المنطقة.

ومما لا شك فيه أن خاشقجي كان بأفكاره ومواقفه وقضيته كان يحمل أفكار تركيا وموقفها وقضيتها. ولهذا فإن اليد التي امتدت للنيل منه امتدت كذلك للنيل من تركيا. كما أنه اليوم أقوى بكثير مما كان عليه عيد قيد الحياة بفضل القضية والأفكار التي مثلها. وأما من استهدفوه بالقتل فإنهم يعيشون اليوم الذل والهوان الذي يليق بهم.

المصدر: موقع يني شفق 





مشاركة