الحرب والأخلاق - د. يوسف القرضاوي


الأحد ٠٨ / اذار / ٢٠٢٠ - عدد الزيارات : 604



بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ سياسة الإسلام في الحرب لا تنفصل عن الأخلاق؛ فالحرب لا تعني إلغاء الشرف في الخصومة، والعدل في المعاملة، والإنسانيّة في القتال وما بعد القتال.

إنَّ الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشريّ، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج:40)، {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:251) .

ولكنّ ضرورة الحرب لا تعني الخضوع لغرائز الغضب والحميّة الجاهليّة، وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانيّة، إذا كان لا بدّ من الحرب؛ فلتكن حرباً تضبطها الأخلاق، ولا تسيّرها الشهوات، لتكن ضدّ الطغاة والمعتدين لا ضدّ البرآء والمسالمين.

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2) .

إذا كان لا بدّ من الحرب؛ فلتكن في سبيل الله، وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحقّ والخير ، لا في سبيل الطاغوت، الذي تعلو به كلمة الشرّ والباطل، {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (النساء:76) .

 لتكن من أجل استنقاذ المستضعفين، لا من أجل حماية الأقوياء المتسلّطين: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيّة الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (النساء:75) .

وَلْتتقيّدِ الحرب بأخلاق الرحمة والسماحة، ولو كانت مع أشدّ الأعداء شنآناً للمسلمين، وعتوْا عليهم، وإذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوّة، لا يبالون في أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو، وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل من لا ناقة له في الحرب ولا جمل، فإنّ الإسلام يوصى ألا يقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار، وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحراثة الأرض.

وفي هذا جاءت آيات القرآن الكريم، ووصايا الرسول الكريم، وخلفائه الراشدين، ففي القرآن: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190) ، وفي السنَّة كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا توجّهوا للقتال بقوله: “اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً”…

 وكذلك كان الخلفاء الراشدون المهديّون من بعده يوصون قوادهم: ألّا يقتلوا شيخاً، ولا صبيّاً، ولا امرأة، وألا يقطعوا شجراً، ولا يهدموا بناء”، بل نهوهم أن يتعرّضوا للرهبان في صوامعهم، وأن يدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له من العبادة.

يذكر المؤرّخون المسلمون أنّ الخليفة الأوّل أبا بكر الصديق رضي الله عنه، في المعارك الكبرى التي دارت بين المسلمين والإمبراطوريّتين العتيدتين فارس والروم، أرسل إليه رأسَ أحدِ قادةِ الأعداءِ من قلب المعركة إلى المدينةِ عاصمةِ الدولةِ الإسلاميّة، وكان القائدُ يظنّ أنّه يسرُّ بذلك الخليفةَ، ولكن الخليفة غضب لهذه الفعلة لما فيها من المثلة، والمساس بكرامة الإنسان فقالوا له: إنّهم يفعلون ذلك برجالنا. فقال الخليفة في استنكار:

-آستنان بفارس والروم؟ لا يحمل إليّ رأسٌ بعد اليوم!

وبعد أن تضع الحرب أوزارها، يجب ألا ينسى الجانب الإنسانيّ والأخلاقيّ في معاملة الأسرى وضحايا الحرب، يقول الله تعالى في وصف الأبرار من عباده: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} (الإنسان:8-9) .

 …………..

 – من كتاب “مدخل لمعرفة الإسلام” لفضيلة العلّامة.





مشاركة