ما حقيقة الحرب والسلم في الإسلام؟ - محمد الغزالي


الإثنين ٠٩ / اذار / ٢٠٢٠ - عدد الزيارات : 655



ألف "ابن تيمية" رسالة صغيرة عن القتال في الإسلام بدأها بهذا السؤال:

هل مُقاتلة الكفار بسبب عدوانهم أم لمجرد كفرهم؟
ثم أجاب (تصرفنا في العبارات بما يقرِّب المعاني إلى القارئ):
في ذلك قولان مشهوران للعلماء:
الأول: قول الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم، فهؤلاء يرون أن الكفار يُقاتَلون لاعتدائهم لا لضلالهم!
والثاني: قول الشافعي وربما علَّل به بعض أصحاب أحمد، وأساس هذا القول أن الكفار يحارَبون لسوء عقيدتهم وجحدهم لله ولحقوقه!
قال ابن تيمية: وقول الجمهور هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، فإن الله سبحانه قال: (وقاتِلوا في سبيلِ اللهِ الذين يقاتلونكم ولا تَعتَدوا إن اللهَ لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثَقِفْتُموهم وأَخرِجوهم من حيثُ أخرَجوكم والفتنةُ أشدُّ من القتلِ ولا تقاتلوهم عندَ المسجدِ الحرامِ حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاءُ الكافرين. فإن انتَهَوْا فإن اللهَ غفورٌ رحيمٌ. وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ للهِ فإن انتَهَوْا فلا عدوانَ إلا على الظالمين. الشهرُ الحرامُ بالشهرِ الحرامِ والحُرُماتُ قصاصٌ فمَن اعتَدَى عليكم فاعتَدُوا عليه بمثلِ ما اعتَدَى عليكم واتَّقُوا اللهَ واعلموا أن اللهَ مع المتقين) (البقرة: 190ـ194).
فقوله: (الذين يقاتلونكم) تعليق للحكم بأنهم يقاتلوننا، فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال. ثم (ولا تعتدوا) والعدوان مجاوزة الحد، فدل على أن قتال مَن لم يقاتلنا عدوان، ويدل عليه أيضًا قوله بعد هذا: (فمن اعتَدَى عليكم فاعتَدُوا عليه بمثلِ ما اعتَدَى عليكم) فدل على أنه لا تجوز الزيادة.
ثم قال: (وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ) الفتنة تحويل المسلم عن دينه قسرًا! كما كان المشركون يفعلون بالمستضعَفين. ومقاتلتُهم حتى تنكسر قواهم ويعجزوا عن الفتنة، ولم يقل سبحانه قاتلوهم حتى يسلموا!
(ويكونَ الدينُ لله) وهذا يحصل إذا ظهرت كلمة الإسلام وكان حكم الله ورسوله غالبًا.
ذاك ما جاء في الكتاب الكريم.
أما ما جاء في السنة فقد صح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر في بعض غزواته على امرأة مقتولة، فكأنه كره ذلك وقال: "ما كانت هذه لتقاتِل" فعلمنا أن العلة في تحريم قتلها أنها لم تكن تقاتل.
وقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يوصي بعدم التعرض لمَن ليس من شأنه القتال، روى أبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يُوصي الجيش الذاهب إلى المعركة: "انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
وقد ادعت طائفة أن هذه الآية منسوخة.
قال ابن تيمية: وهذا رأي ضعيف، ودعوى النسخ تحتاج إلى دليل، وليس في القرآن ما يناقض الآيات التي ذكرناها، بل فيه ما يوافقها فمن أين يجيء النسخ؟
الصحيح أنها مُحْكَمة، وأن مَن ليس مُعِدًّا نفسه للقتال كالرُّهبان والشيوخ الفُنَاة والزَّمْنَي والمكافيف والمجانين، فإن هؤلاء لا يُقاتَلون، وهذا حكمٌ باقٍ غير منسوخ، وهذا قول جمهور العلماء.
ونمضي نحن في مناقشة القائلين بالنسخ بشيء من التفصيل يزيد الحق وضوحًا:
من أعجب ما قرأت أن قوله تعالى: (وقاتِلوا في سبيلِ اللهِ الذينَ يُقاتلونكم ولا تَعْتَدُوا) منسوخ بالآية التالية مباشرة: (واقتُلُوهُمْ حيثُ ثَقِفْتُمُوهم).
وهذا ضرب من اللغو ما كان يجوز إثباته؛ لأن القائل قطع جملة من الآية عن بقيتها (وأخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) وضرب بها السياق كله على نحو لا يسوغ في دماغ عاقل،
ولذلك نتجاوز هذا الرأي.
الدليل الذي يعتمد عليه القائلون بالنسخ ما يسمَّى بآية السيف، يعنون مثلاً قوله تعالى: (فإذا انسَلَخَ الأشهرُ الحُرُمُ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم..) (التوبة: 5).
وفي هذا الكلام تلبيس خطير يجب أن ينكشف لكل ذي عينين؛ فإن كلمة (المشركين) هنا فُسرت في الآيات السابقة والآيات اللاحقة بأنهم قوم تفاحَش عدوانهم حتى بلغ حدًّا لا يُطاق، وأنهم جماعة من الفُتَّاك القادرين، تعرفهم عندما تقرأ الآية التي استثنت من تُصان دماؤهم من المشركين، وهي قوله سبحانه (إلا الذين عاهدتُم من المشركينَ ثم لم يَنقُصوكم شيئًا ولم يُظاهِروا عليكم أحدًا) (التوبة: 4).
يعني أن المشركين المُطارَدين هم قوم نقَصونا حقوقَنا وظاهروا أعداءنا، واحتقروا عهودنا.
ولكي نزداد بهم معرفة نقرأ وصفهم في الآيات الآتية: (كيف وإن يَظهَروا عليكم لا يَرقُبوا فيكم إلاًّ ولا ذمّةً يُرضُونكم بأفواهِهم وتأبَى قلوبُهم وأكثرُهم فاسقون. اشتَرَوْا بآياتِ اللهِ ثمنًا قليلاً فصَدوا عن سبيلِه إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يَرقُبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمّةً وأولئك هم المعتدون) (التوبة: 8 ـ 10).
هؤلاء المعتدون هم الذين أُعلِنَت الحربُ عليهم في صدر سورة (براءة) وأُعطُوا أربعة أشهر مُهلة ليَرَوا ما يصنعون بأنفسهم! فهل هذا الحكم يطابق أم يخالف آية: (قاتِلوا في سبيلِ الله الذين يُقاتلونكم)؟
إن القول بالنسخ ـ لا قتال إلا للمعتدين ـ لا مَساغ له أبدًا، ولا يدل على فقه في القرآن الكريم.
قال لي بعض الإخوة: على رِسْلِك، إن الإطار الذي تريد وضع الجهاد الإسلامي داخله قد مَحَته آيات الجهاد المُطلَق، الجهاد الذي يُخاصم الضلال حيث كان، ويريد غسل الأرض منه، فلا داعي لهذه القيود التي تذكُر!
قلت: أين هذه الآيات؟
ألم تقرأ قوله ـ تعالى ـ يغري طلَّاب الآخرة بالجهاد: (فلْيُقاتلْ في سبيلِ اللهِ الذين يَشْرُون الحياةَ الدنيا بالآخرةِ ومَنْ يُقاتِلْ في سبيلِ اللهِ فيُقتَلْ أو يَغلِبْ فسوفَ نُؤتيهِ أجرًا عظيمًا) (النساء: 74) إن هذه الآية تحث على خَوْض الحروب، انتصر المرء فيها أو انهزم، وما دام يريد إعلاء كلمة الله فله أجره!
قلتُ: لعلَّكَ لو قرأتَ الآية التي تَلِيها مباشرة لعلمتَ أن هذه الحرب لم تكن عدوانًا بل ردًّا للعدوان وكسرًا للطغيان!
أليس يقول الله ـ سبحانه ـ في حفز الهمم لخوض هذه الحرب: (وما لكم لا تُقاتِلون في سبيلِ اللهِ والمُستَضعَفِين من الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ الذين يقولون ربَّنا أخرِجْنا من هذه القريةِ الظالمِ أهلُها واجعل لنا من لدُنك وليًّا واجعل لنا من لدُنك نصيرًا)؟ (النساء: 75).
إن هذا القتال مِن أشرف ما دار على سطح الأرض بالنسبة إلى جمهور المسلمين، فكيف يُوصَف بأنه قتال لم يرتبط بقيد معين؟
فصمَتَ قليلاً ثم قال: خُذْ آية أخرى، قال تعالى: (فإذا لقِيتم الذين كفروا فضَرْبَ الرقابِ حتى إذا أَثخَنتُموهم فشُدُّوا الوَثاقَ..) (محمد: 4).
قلت: هذه آية تصف ما يجب عند التحام الرجال في المعركة، ولا تتحدث عن سبب القتال، ومع ذلك فلو سلَّمنا بوجهة نظرك فإن أول السورة التي ذُكرَت فيها الآية يحدد من هو العدو الذي نحاربه!
أول هذه السورة: (الذين كفَرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ اللهِ أضَلَّ أعمالَهم) (محمد: 1) والصد عن سبيل الله يعني تعويق الدعوة عن المضي في مسارها، وإيذاء المؤمنين الذين تنشرح صدورهم بها، وهذا عدوان حقيقي.
قال: خذ آية أخرى، والآيات كثيرة: (انفِروا خِفَافًا وثِقَالاً وجاهِدوا بأموالِكم وأنفسِكم في سبيلِ اللهِ) (التوبة: 41)
قلت: هذه الآية بين عشَرات من الآيات التي نزلت في غزوة تبوك تَسْتَنْفِر المؤمنين كي يقاتلوا الروم، ويَحُدُّوا من طغيان النصرانية شمال جزيرة العرب، ومعروف أن الرومان قتلوا بعض مَن أسلم في مدينة "معان" ونشروا الرعب في بقاع واسعة كان عملاؤهم يحكمونها.
وقد حاول المسلمون أن يُوقفوا هذا التحدِّيَ، وأرسلوا جيشًا إلى "مؤتة" هزمه الرومان، وقُتل القوادُ الثلاثة الذين حاولوا الصمود به، ولم يجد المسلمون بُدًّا من الانسحاب، فعادوا إلى المدينة وقلوبهم كسيرة.
وازداد الطين بِلة، فإن تيار الدعوة ركَد تحت تأثير السطوة الرومانية المحذورة، ولم يَرَ النبي مَنَاصًا من إعداد أكبر جيش في تاريخ الدعوة ليُنازل الإمبراطورية العجوز ويلزمها حدودها! إن الحرب كانت واجبًا حتمًا، ولم تكن غارة عمياء، وسوف نزيد الأمر وضوحًا فيما بعد.

المصدر من كتاب مئة سؤال في الإسلام 





مشاركة