هل هناك طبّ نبويّ؟! - د. حذيفة عكاش


الأربعاء ٢٩ / نيسان / ٢٠٢٠ - عدد الزيارات : 1249



مقدّمة:

مريضة كانت تتناول فيتامينات لزيادة الخصوبة، أخبرتها صديقتها عن شخص يعالج بالطبّ النبويّ، وقالت لها: إنّها تعرف امرأة وصف لها هذا الرجلُ الأعشاب وحملت بعد شهر.

ذهبت المسكينة إليه، واستمرّت مدّة تأخذ هذه الخلطات العشبيّة، وبعد سنوات.. لم تستطع الإنجاب إلّا بوساطة طفل الأنابيب!

مع الأسف لم يترك «البزنس» باباً إلا طرقه، ولم يكن المرض بعيداً عن هذا العالم الذي لا يعرف لغة غير المال والمصلحة الخاصّة الضيّقة، ليسعى -بكلّ جشع وطمع- إلى تحصيل المال بكلّ السبل والطرق، فتاريخ الطبّ مليء بأغرب قصص النصب والاحتيال، واستغلال حاجة المرضى الضعفاء المساكين، الذين (يتعلّقون بقشّة) كما يُقال.

قصص كثيرة تشخّص الأمراض النفسيّة والجسديّة كمسّ الجنّ والعين والحسد والسحر.. ويبدأ مسلسل ابتزاز المال باسم الرقية الشرعيّة والأدوية النبويّة!

هناك العديد من الحالات المرضيّة التي تخلّت عن الأدوية الطبيّة ولجؤوا إلى الطب البديل فقط، الذي كثيراً ما يسمّى (الطبّ النبويّ)، ما أدّى في البداية إلى استقرار الحال الصحيّة فيما يسمّى فترة «النقاهة»، ثم تنتكس الحال أسوأ ممّا كانت.

فبعضهم يشعر بتحسّن بعد أخذ هذه الأعشاب، ويخيّل إليه أنّه شُفي تماماً، ما السبب يا ترى؟

السبب هو "الوهم" بأنَّ المريض يأخذ الدواء النّاجعَ، وأنَّه سائر نحو الشفاء، فعند اختبار الأدوية المعروفة تكون هناك فئة من المرضى الذين يُجرى عليهم الاختبار، يتناولون دواء يسمّى: (بلاسيبو) (حبّة تشبه حبّة الدواء، ولكنّها لا تحتوي على مواد طبيّة، فهو مثل الطحين) يعطونهم ذلك الدواء المغشوش دون علمهم، وبعضهم يتحسّنون ويشعرون كأنّهم أخذوا حبّة دواء حقيقيّة، لكنّ المؤثّر هنا حقيقةً هو العامل النفسيّ، أي الوهم هو الذي جعلهم يشعرون بالتحسّن، لكن لو كان الشخص مريضاً فعلاً، فإنّ أعراض المرض ستعود للظهور، لعدم تلقّي المريض العلاجَ الحقيقيّ.

وفي قضيّتنا وهي العلاج بـ(الطبّ النبويّ)، عندما تذهب لمن يدّعي العلاج بالطبّ النبويّ تكون مقتنعاً تماماً أنّك ستُشفى، وتصدّق أنّك شُفيت، لكنْ واقعياً إذا كان المرض حقيقيّاً وليس وهماً، ربما تختفي أعراضه فترة لكنّها ما تلبث أن تعود، وربّما تنتكس الحال أشدّ ممّا كانت عليه قبل تناول وصفة المعالِج بالطبّ النبويّ.

فشركات الدواء المعروفة تستغرق سنوات وسنوات في الدراسة والتجربة والبحث، وتنفق أموالاً طائلة لتنتج دواء، وبعد إنتاجه تكون هناك فترة اختبار لتقييم كفاءته، وكم من الأدوية تمّ سحبها من السوق لآثارها السلبيّة، أو عدم فاعليّتها!

الآن نعود إلى عنوان المقال: هل هناك طبّ نبويّ؟

 

نشأة كتب الطبّ النبويّ:

دعونا بداية نعرف كيف ظهر هذا المصطلح: (الطبّ النبويّ)، فلم يبلغ الطبّ عند العرب زمن النبيّ ﷺ رتبةَ العلم المتقَن المدوّنِ في كتبٍ، بل اقتصر على بعض المعلومات المتوارثة من الأجداد من المجرّبات الشعبيّة، وكان بعض الأفراد من العرب يقتبسون من الأمم المجاورة شيئاً من المعلومات الطبيّة ويأتون بها إلى ديارهم.

بداية قصّة الطبّ النبويّ هي أنّ علماء الحديث –مأجورين- جمعوا كلّ ما ورد عن النبيّ ﷺ من أقوال أو أفعال أو أحداث وسيرة حياته كلّها، وصنّفوها بحسب موضوعاتها، ومن ذلك ما ورد من أحاديث نبويّة في شؤون العلاج والتداوي ونحوهما، وأدرجها المصنّفون تحت عنوان "الطبّ" وبعضهم سمّى أبواباً بأسماء فرعيّة مثل: المرض، والرُّقَى، والسمّ، والسحر، والرُّقية، وغيرها من الأبواب، وهكذا استقرّت المؤلّفات الحديثيّة.

ثمّ ظهر اسم (الطبّ النبويّ) في العصر العباسيّ في القرن الرابع الهجريّ تقريباً، نتيجة ازدهار الطبّ، وتشجيع الخلفاء العباسيّين لرجاله وعلومه، وتوسُّع حركة ترجمة الكتب الطبيّة من اليونان وغيرهم.

 فأفرد العلماء بالتأليف الروايات الحديثيّة التي تتعلّق بالطبّ كالتداوي والعلاج والوقاية والرقية، ووصفات خاصّة كان ينصح بها النبيّ ﷺ لبعض الأمراض، متأثّراً بثقافة بيئته ﷺ.

وسُمّيت تلك الكتب بـ (كتب الطبِّ النبويّ).. ومن هنا بدأت القصّة، حيث أصبح أمامنا طبّان: طبّ عاديّ، مثل كتاب ابن سينا: "القانون"، وطبّ نبويّ، مثل بعض الكتب التي حملت هذا العنوان!

مع أنّ كتاب ابن سينا أفضل من تلك الكتب المسمّاة بـ: كتب الطبّ النبويّ، لأنّها عبارة عن معلومات مجموعة من قبل أناس غير متخصّصين بالطبّ غالباً، فيجمعون توجيهات طبيّة من هنا وهناك ويلفّقونها مع الأحاديث والآيات، ثمّ يقولون: هذا "طبّ نبويّ"(1)!

 فالخطورة في تلك الكتب تكمن في أنّ مؤلّفيها اعتمدوا في معلوماتهم وتقسيماتهم وتحليلاتهم ونظريّاتهم على كتب الطبّ في زمانهم، وبخاصّة المترجمات عن اليونان ونظرياتهم الطبيّة، فاعتُمدت مثلاً نظريّة: أبقراط في الأخلاط والأمزجة، كما اعتُمدت النظريّة اليونانيّة القائلة بالعناصر الأربعة: (النار والهواء والماء والتراب)، ومن هنا تأتي تعبيرات مثل الحار والبارد والرطب واليابس في كتب ّ القديمة، ومنها كتب "الطبّ النبويّ".

والمؤسف أنّ طالب الطبّ في السنة الثانية في زماننا معلوماته الطبيّة أفضل من معلومات ابن سينا نفسه، الذي توفّي في القرن الخامس الهجريّ، كما كان يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، طبعاً ليس ذلك لأنّ طالب الطبّ في السنة الجامعيّة الثانية في زماننا، أذكى من ابن سينا ؒ، لكن لأنّ العلوم تطوّرت في زماننا آلاف المرّات عن زمن ابن سينا، ولو كان ابن سينا في زماننا لوضع هو بنفسه كتابه في المتحف العلمي، وكتب كتباً جديدة، ووبّخ من يقرأ كتابه القديم ويعتمد عليه، فلم يعد كتاب القانون لابن سينا مرجعاً علميّاً في الطبّ، بل هو وثيقة تاريخيّة لنطّلع على مستوى العلوم في ذلك الزمان! لأنّ علم الطبّ تجاوزه مراحل.

والطامّة هنا أنّ هذه المعلومات الطبيّة -المنتهية الصلاحيّة- التي وضعوها في كتب (الطبّ النبويّ) تسوَّق على أنّها طبّ مقدّس، هو طبٌّ نبويّ، منسوب إلى النبوّة أي للوحي، أي لله تعالى، فهو طبٌّ إلهيّ مقدّس معصوم.

هذا فيما يخصّ العلوم الطبّيّة المذكورة في كتب الطبّ النبويّ، فماذا عن الأحاديث الواردة في كتب (الطبّ النبويّ)؟ أليست أحاديث نبويّة يجب العمل بها؟ أليست وحياً وتشريعاً نحن ملزمون به؟!

 

مقامات النبيّ ﷺ:

قبل أن نجيب عن هذا، لا بدّ من بيان قاعدة شرعيّة مهمّة من قواعد استنباط الأحكام الشرعيّة، وهي: ليس كلّ حديث نبويّ مرويّ يجب العمل به، فالفقهاء يميّزون بين الروايات بحسب نوعها، لأنّ النبيّ ﷺ له نوعان من التصرّفات، تصرّف بشريّ لا علاقة له بالوحي، وتصرّف تشريعيّ مصدره الوحي، كما وصفه القرآن الكريم: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ، يُوحَى إِلَيَّ) فهناك ما صدر عنه ﷺ من خبرته الدنيويّة وتجاربه الحياتيّة العاديّة المكتسبة غالباً من محيطه الاجتماعيّ وبيئته الثقافيّة، وهذه الأقوال والتصرّفات لا مدخل فيها للوحي.

ويجوز فيها الخطأ، يقول القاضي عياض ؒ: "فأمّا أحواله ﷺ في أمور الدنيا.. فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيءَ على وجه، ويظهر خلافه، أو يكون منه على شكٍّ أو ظنّ، بخلاف أمور الشرع" أي أنّه معصوم عن الخطأ في تبليغ الشرعيّات.

فمن التصرّفات البشريّة والخبرات الدنيويّة: الخبرة الزراعيّة مثل حادثة تأبير النخل الشهيرة، التي قال فيها ﷺ كما في صحيح مسلم: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ" وفي رواية: (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ).

 علّق عليه الإمام النوويّ ؒ بقوله: "ورأيه ﷺ في أمور المعايش وظنّه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا -أي الخطأ- ولا نقصَ في ذلك".

والخبرة العسكريّة مثل تعيين موقع معركة بدر، حيث قال الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ، وَلَا نُقَصِّرُ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَة ُ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ"، فَقَالَ الْحُبَابُ: "يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ" وبالفعل ترك النبيّ ﷺ رأيَه الخاصّ، ونزل على رأي الحباب ؓ.

ومن الخبرات الدنيويّة الخبرة التجاريّة ومن الخبرات الحياتيّة الخبرة الطبيّة ومنها وصفه لبعض الأدوية للمرضى، وهو موضوع هذا المقال.

 فما ورد عن النبيّ ﷺ من تدبيرات دنيويّة فهو ليس وحياً ولا تشريعاً ملزِماً..

 والقسم الثاني من تصرّفات النبيّ ﷺ وهو الأهمّ: هو ما صدر عنه ﷺ من القيم والأحكام والتشريعات لكلّ مجالات الحياة، هذا النوع وحي تشريعيّ دينيّ ملزِم ينبغي اتباعه، كما لا يخفى.

 إذن لا يجوز الخلط بين التشريعات الدينيّة المُوحى بها، وبين التصرّفات البشريّة الدنيويّة ممّا ليس وحياً.

 

قضيّة الأدوية النبويّة:

ونعود لأصل الموضوع؛ وهو (الطبّ النبويّ) ونقصد به الأحاديث التي فيها وصفات طبيّة لأمراض محدّدة، هل هي وحي؟ أم من خبرته ﷺ البشريّة وثقافة عصره وعلوم بيئته؟

الصحيح أنّها ليست من الوحي والدين الخالد، فلو شرب النبيّ ﷺ دواء معيّناً لعلاج مرض ما، فهل يستحبّ أو يجب علينا شرب ذلك الدواء، لذلك المرض مثلاً؟ الصحيح أنّ أقواله ﷺ وأفعاله في ذلك الباب ليست حجّة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنيّة في الأصل على التجارب الشخصيّة للنبيّ ﷺ من حيث هو بشر، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة في عصره.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: "وقد ورد عن النبيّ ﷺ جملة أحاديث تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض، وقد اهتمّ بها بعض العلماء ظانّين أنّها كّلها جزء من الدين والوحي الإلهيّ، ولكنّ الواقع هو أنّ منها ما هو من خبرات البيئة ونتائجها، ومنها ما يليق ببيئة معيّنة في حرارتها ومناخها وظروفها، كالبيئة الصحراويّة العربيّة، ولا يمكن أن يُحمل على العموم للناس كلّهم، كما بيّن ذلك المحقّق ابن القيّم رحمه الله"(2).

وقد كان هذا الأمر واضحاً لعلمائنا القدماء المحقّقين يقول العلامة ابن خلدون رحمه الله: "لِلبادية من أهل العمران طبٌّ يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارث عن مشايخ الحيّ وعجائزه، وربّما يصحّ منه بعضه، إلّا أنّه ليس على قانون طبيعيّ، ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطبّ كثير وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كِلدة وغيره.

 والطبّ المنقول في الشرعيّات من هذا القبيل -أي متوارث عن الأجداد- وليس من الوحي في شيء، وإنّما هو أمرٌ كان عاديّاً للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبيّ ﷺ -أي في كتب السيرة والشمائل- من نوع ذكر أحواله التي هي (عادة و جِبلّة –أي بشريّة- لا من جهة أنّ ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنّه ﷺ إنّما بُعث ليعلّمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطبّ و لا غيره من العاديّات" انتهى كلام ابن خلدون رحمه الله.

إخواني: لو أراد الله تعالى إنزال طبّ إلهيّ على نبيّه ﷺ لفاق ذلك الطبّ الإلهيّ طبّ الأمم الأخرى كلَّه، ولكنّ الله تعالى أنزل علينا تعاليم وتوجيهات وتشريعات تنظّم حياتنا وتسعدنا في الدنيا والآخرة، وترك أمر تدبير شؤوننا الدنيويّة لنا، وأمرنا بالتداوي والعناية بصحّتنا وترك لنا اكتشاف الأدوية والعلاجات.

بل إنّ نبيّنا ﷺ نفسَه عندما كان يمرض كان يتّبع وصفات الخبراء، فقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن سرّ خبرتها الطبيّة فقالت: ((إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْقَمُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَنْعَتُ لَهُ الْأَنْعَاتَ –أي يصفون له الوصفات الطبيّة- وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ –أي كانت تعتني به كالممرضة وتحضّر له تلك الأدوية- فَمِنْ ثَمَّ -أي من ذلك- تَعَلَّمْتُ الطِّبَّ)) رواه أحمد والحاكم.

 

تعاليم الإسلام الطبيّة:

قد يُقال: قد عرفنا أنّ وصفاته ﷺ ليست وحياً ملزماً، والسؤال: نحن نعرف أنّ الإسلام جاء بسعادة الدارين، وجاءت تعاليمه تشمل كلّ مجالات الحياة، فهل أهمل الإسلام قضيّة الطبّ دون إرشادات وأحكام؟ وما هو الجانب الدينيّ الذي يلزمنا أن ننضبط به في المجال الطبيّ؟

نقول: صحيحٌ أنّه ﷺ لم يُبعث طبيباً، لكنّه اهتم كثيراً بما يتعّلق بصحّة الإنسان، ونتيجة اهتمام الإسلام بحياة الناس وصحّتهم، استنبط العلماء المقصد الثاني من مقاصد الشريعة وأهدافها الكبرى، وهو حفظ حياة الناس وصحّتهم.

وكانت توجيهات النّبيّ ﷺ الطّبيّة شاملة لعامّة جوانب حياة الإنسان الصّحيّة، ابتداءً من تقرير مبدأ: "إنّ لبدنك عليك حقّاً" وضرورة التّداوي، وأنّه ما خلق الله تعالى داء إلّا جعل له دواء، إلا الموت أو الهرم.

 كما اشتملت توجيهات النّبوة على مبدأ الوقاية والحجر الصّحّيّ، كما اهتمّ بالجانب النّفسيّ في العلاج، وحثّ على عيادة المريض، كما رسّخ قاعدة الرّضا بأمر الله تعالى وقضائه.

 

وقبل أن أختم أذكر أربع ملاحظات هامّة بموضوع (الطبّ النبويّ):

 

الملاحظة الأولى:

كثير ممّا يسمّى (طبّاً نبويّاً) أحاديث مكذوبة وضعيفة جدّاً، لا يجوز روايتها ونسبتها إلى النبيّ ﷺ، لذلك يجب اعتماد الأحاديث الشديدة الصحّة في هذه القضايا، مع موافقة الأطبّاء المتخصّصين على جدوى ذلك العلاج لهذا الشخص، فقد تفيد الوصفةُ حالاً، وتضرّ الوصفة نفسها حالاً أخرى.

الملاحظة الثانيّة:

يذكرها الدكتور محمد سليمان الأشقر رحمه الله وهي أنّ الأحاديث التي تصف أدوية، صحيحٌ أنّها ليست حجّة ملزِمة، لكن ينبغي أن تثير احتمالاً بالصحّة، كسائر الأقوال الطبيّة المأثورة عن أهل التجارِب والمعرفة، من غير أهل الاختصاص، بل هي أولى منها، للشبهة في أنّها قد تكون مبنيّة على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولذلك ينبغي أن تخضع مثل هذه الأحاديث للتحليل وللتجارب من قبل المتخصّصين في المختبرات، فإن كانت علاجاً ناجعاً أُدخلت حيّز التصنيع والبيع، ويكون التحليل والتجريب هو الحجّة في صلاحيّتها.

الملاحظة الثالثة:

إذا دفعت العاطفة أحد المسلمين لتناول ما ذكره النبيّ ﷺ من دواء لحال مشابهة له، تبرّكاً وتسليماً لما أخبر به النبيّ ﷺ، هل في ذلك حرج؟

أقول: ينبغي استشارة طبيب ثقة، فإن سمح له الطبيب فليتّبع طبيبه، وإن حذّره الطبيب فلا يجوز له ذلك، فقد لا يناسب ذلك الدواءُ حاله، بل ربّما أضرّه.

وقد يكون الحديث الوارد لحال خاصة ليست مثل حال الشخص هذا (كما ذكر ابن حجر في شرحه لحديث الحبة السوداء في صحيح البخاريّ).

وقد ردّ الدكتور محمد سليمان الأشقر ؒ على من قال: "من أخذ بهذه الأحاديث مصدّقاً ومؤمناً ينتفع بها بإذن الله تعالى" ردّ على من يقول ذلك بأن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقاً لرسول الله ﷺ وإيماناً به، وعملاً بقوله، ومع ذلك خرج ثمره ذلك العام (شِيصاً)، أي تالفاً غير صالح، ولم يكن إيمانهم وتصديقهم كافياً ليصلح به الثمر؛ لأنّه ليس سبباً لذلك، والإسلام بهذا يعلّمنا احترام الأسباب، والسنن التي أقام الله تعالى عليها الكون.

الملاحظة الرابعة:

لا يجوز أن نتهرّب من مهامّنا باكتشاف أدوية الأمراض التي تفتك بالمسلمين، وننتظر أن يجود بها علينا غيرنا، بل علينا أن نشمّر عن ساعد الجدّ ونفتتح المختبرات ومراكز الأبحاث، ونقوم بالتجارب حتّى نكتشف الأدوية التي أودعها الله تعالى في هذا الكون، فلم يُنزّل سبحانه داءً إلا وأنزل له -بفضله وكرمه- دواء، كما ورد في الحديث الصحيح، الذي يتضمّن حثّاً على البحث عن الأدوية الربّانيّة التي بثّها الله في كونه المسخّر لنا.

يقول الفقيه المالكيّ الطبيب الفيلسوف الأندلسيّ الملقّب بذي الوزارتين (لسان الدين بن الخطيب) ؒ "الشريعة لا تتعرّض لمسائل الطبّ وحوادث الطبيعة التي يجب على البشر أن يدرسوها بأنفسهم ويستخدموا حواسَّهم وعقولَهم في سبيل معرفتها".

 

الخلاصة:

لم يُستخدم مصطلح (الطبّ النبويّ) على عهد النبيّ ﷺ ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدين، وحديثه ﷺ "أنتم أعلم بأمور دنياكم" يؤكّد ذلك.

(فالطبّ النبويّ) الحقيقيّ هو الطبّ الحديث، لأنّه التطبيق العمليّ لأمر النبيّ ﷺ ((تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِّلْ دَاءً إلاَّ أنْزَلَ لَهُ دَوَاءً)).

لذلك لا تسمحوا لعواطفكم وخوفكم على مَن تحبّون أن يوقعكم في شباك المشعوذين والدجّالين، وإن اختبؤوا وراء شعارات برّاقة كـ (الطبّ النبويّ أو (الطبّ الشعبيّ) أو (طبّ الأعشاب)، وارجعوا إلى الأطبّاء المتخصّصين.

 

____________________________________________________________________

 

(1)   ينظر المقال الممتاز: الطب النبوي، المفهوم والنشأة والعلائق، د. معتز الخطيب.

(2)   ينظر الفتاوى المعاصرة للدكتور القرضاوي تحت عنوان: عناية الإسلام بالصحة العامة والطب.





مشاركة