قانون السببيّة، وعلاقته بتخلّف الأمّة! - د. حذيفة عكاش


الجمعة ٠١ / أيّار / ٢٠٢٠ - عدد الزيارات : 1237



من حكمة الله تعالى أنه خلق الأسباب و قَرَنَ مسبَّباتها بها، إذْ جعل شرب الماء سبباً للريّ؟ وجعل الأكل سبباً للشِّبَع؟ وجعل النكاح سبباً للولد، وجعل الجِدّ والاجتهاد سبباً للنجاح، وجعل الكسل والتواني سبباً للإخفاق؟ وجعل النار سبباً للإحراق؟ وهكذا..

هذه الأسباب يستوي في الأخذ بها المسلم والكافر، والبرّ والفاجر، فمن شرب روي، ومن أكل شبع، ومن اجتهد حصَّل، ومن زرع حصد.. فسنن الله لا تحابي مؤمناً إذا قصّر فيها، ولا تمتنع على كافر لو أخذ بها؛ (كُلّاً نُمِدُّ هؤلاءِ وهؤلاءِ منْ عطاءِ ربّكَ وما كانَ عطاءُ ربِّكَ مَحْظوراً)..

ومن نِعَمِ الله تعالى علينا أنّه سخّر لنا هذا الكون، وضبطه بقوانين لا تتخلّف، ليسهِّل علينا التعامل مع هذا الكون، فنكتشفَ القوانينَ وننضبطَ بها لنصلَ إلى النتائج التي نريدها، بفضل الله وكرمه.

ولو خلق الله الكون بغير نظام، وبلا سنن لا تتخلّف، لفسدت السموات والأرض ومن فيهنّ، قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [المؤمنون:71]، وقال سبحانه: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ، وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:5] وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

خصائص الأشياء:

نشر أحدهم هذا القول على الفيس بوك، ونسبه لعالم شهير: "من شرب الماء يقيناً منه أنّه يروي فليصحّحْ عقيدته، أنا أشرب الماء لسرّ الإرواء الذي وضعه الله فيه، إن شاء إبقاءَهُ أبقاه، وإن شاء سَلْبه، سَلَبَهُ".

 لن أدخل هنا في الخلاف الذي تكلّم فيه علماء الكلام والعقيدة في مجادلاتهم وخلافاتهم المشهورة عن قضيّة: هل أودع الله تعالى خاصّيّة الإرواء في الماء؟ أم أنّه سبحانه يخلق الإرواء عند شربنا للماء، وليس في الماء قوّة مودَعة هي الإرواء؟

 لماذا لن أرجّح بين القولين؟ لأنّ هذه الأقوال والتصوّرات ظنيّة وليست يقينيّة، وهي من الغيب، ولن يحاسبنا الله تعالى عن هذه التشقيقات الكلاميّة التي ناقشها علماء الجدل والكلام، فلو كانت تفريعات هذه المسائل من العقائد الضروريّة؛ لبيّنها الله تعالى لنا، أو رسوله الكريم ﷺ، لكنّها مسائل جدليّة جاءتنا من تشقيقات الفلسفة اليونانيّة وتنقيراتها.

فمن مشكلات بعض كتب العقيدة أنّ كلّ مسألة ناقشها علماء الكلام والعقيدة، وجادلوا فيها، أدخلوها في العقيدة الواجبة الاعتقاد.

 فيكفينا في هذه المسألة أن نعتقد أنَّ (الله خالق كلَّ شيء) كما أخبرنا في كتابه الكريم، فهو خالق (الماء) و(الإرواء)، فهو تعالى خلق المادّة مع خصائصها، أي مع بعضهما، متلازمين، وهو يمدّهما معاً بالوجود والخلق بقيّوميّته سبحانه وتعالى؟!

فنحن نفوّض علم قيّوميّته تعالى لوجود الأشياء وخصائصها معاً.. وما وراء ذلك من غيبيّات إلى الله تعالى، فهو تعالى لم يُشهِدْنا خَلْق السموات والأرض.. فلنقتصر في الغيبيّات على ما بيّنه الله تعالى، ولا نخوض في علم الغيب دون شاهدَيْ عدل: من كتاب أو سنّة صحيحة.

 وبدلاً من إدخال هذه المسألة في علم العقيدة، وهذه المجادلات الكلاميّة دعونا نحوّل دراسة هذه المسألة -أقصد دراسة (الموادّ الطبيعيّة وخصائصها وفعّاليتها)- إلى العلوم التجريبيّة، حتّى يستخدموها في خدمة البشريّة التي سخّر الله تعالى لها هذا الكون.

 أمّا في كتب العقيدة فأرى أنّ هذه التفاصيل تخصّصيّة، يجب أن تبقى في غرفات الدرس للمتخصّصين، وألّا يُشغل عامّة المسلمين بها، لأنّ لها أثراً سلبيّاً في إهمال الأسباب التي أقام الله تعالى الكون عليها.

النتيجة العمليّة:

ونقطة مهمّة أخرى أيضاً، وهي أنّ هذا الخلاف (في أنّ الله أودع الـتأثير في الموادّ، أم أنّه يخلق التأثير عند مباشرة ذلك السبب لعمله) أقول هذا الخلاف نتيجته العمليّة واحدة؛ وهي ضرورة الالتزام بالأخذ بالأسباب، والاعتقاد بأنّ الله خالق الأسباب ومسبّباتها، خالقُ الماء والإرواء، فمن الناحية العمليّة لا يجوز ترك الماء، بحجّة أنّ الله قادر على إروائي دون ماء، لأنّ هذا يُعدّ انتحاراً محرّماً.. ولا علاقة له بالتوكّل أو اليقين!

صحيح يستطيع سبحانه بقدرته وإرادته أن يجري معجزة، بأن يخرق هذه القوانين، فيشرب الإنسان الماء ولا يرتوي، فيسلب الله خاصّيّة الإرواء من الماء، كما يمكن أن يوجد الإرواء دون ماء أيضاً، بمعجزة، فيروي شخصاً عطشان دون أن يشرب الماء، هذا كلّه ممكن بقدرة الله تعالى.

 لكن.. هل نحن مأمورون بانتظار المعجزات؟ أم أنَّنا مأمورون بالتعامل مع الكون، وفق قوانينه التي وضعها الله تعالى؟

فهل يجوز أن أمتنع عن الأكل، وأقول: لن آكل، فالله لم يجعل الشبع في الطعام بل هو خالق الشبع؟!

تأثير الأسباب وعقليّة الخوارق:

يقول الشيخ محمّد الغزالي ؒ: إنّ "قانون السببيّة طحنه المتصوّفون بكثير من خوارق العادات".

إنّ ثقافتنا (المعجزيّة) ألغت قانون الأسباب، فكلّ شيء يُحلّ بقدرة الله ودعائه..

وقد أثّرت هذه الثقافة التي أوهنت وأضعفت (قانون السببيّة) في شتّى نواحي الحياة، فأصبحنا نرى بعض المتديّنين من يدعو بالنجاح دون جدّ واجتهاد، ومن يريد الرزق دون عمل وسعي، ومن ينتظر النصر دون إعداد وتخطيط وقتال، ومن يدعو بالشفاء دون دواء، ومن يريد تحصيل العلوم دون دراسة، باسم العلم الوهبيّ أو اللدّنيّ، مما أمّات علينا ديننا، وجعلنا أمّة عاجزة كَلَّة.

ويأتي هنا من يقول لك: هل تنكر خوارق العادات؟ هل تنكر كرامات الأولياء؟ ونقول: نحن لا ننكر المعجزات وخارق العادات، لكن ننكر انتظار المعجزات، وننكر الاكتفاء بالدعاء دون أخذ بالأسباب!

إنّ بعض الأفكار في عمق الوعي الجماعي للمسلمين مكتوبةٌ بالحبر السرّيّ تأثيرها السلبيّ كبير، أكثر مما يخطر ببالنا.

يقول ابن القيّم رحمه الله:

"مِن أعظم الجناية على الشرائع والنبوّات والتوحيد: إيهام الناس أنّ التوحيد لا يتمّ إلّا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنّه لا يمكن إثبات توحيد الربّ سبحانه إلا بإبطال الأسباب، ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتاباً من الكتب أعظم إثباتاً للأسباب من القرآن الكريم."

طبعاً يشير ابن القيّم رحمه الله إلى مثل قوله تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) فأثبت سبحانه الإحراق للنار، وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ) فنسب سبحانه الإنبات إلى الماء، وتكررت نسبة المسببات لأسبابها وذلك في مواضع كثيرة في القرآن الكريم كما ذكر ابن القيّمؒ.

الأسباب المركّبة:

قد يقول قائل: مريضان يخضعان للدواء نفسه، والنتيجة مختلفة، أليس هذا دليلاً على أنّ الأسباب لا تؤثّر؟ بل الله يخلق التأثير.

الجواب: أكيد إن الله يخلق المؤثّر والتأثير، لكنّ المغالطة هنا أنّ من المؤكد أنّ حالتهما مختلفة في جزئيّة ما، وإلا حاشا أن تحابي سنن الله أحداً، ولو ترتّبت النتائج على المقدّمات نفسها، لبطلت العلوم، ولما استطعنا التعامل معها كما أشرنا من قبل.

وإلا فيستحيل أن تكون حال المريضين واحدة تماماً، فجسم الإنسان الواحد يختلف بين ساعة وأخرى، فكيف بجسم إنسانين مختلفين؟!! فجسمك قبل النوم غيره بعد النوم، وبعد الأكل غيره قبل الأكل، وبعد ساعة غيره قبل ساعة، وهكذا فحال الإنسان وجسمه معقّد، فلا نستطيع القول: حالهما هي الحال نفسها، وأخذا الدواء نفسه!

الأسباب نوعان:

أمر آخر ينبغي أن ننتبه إليه هنا، وهو أنّ الأسباب ونتائجها نوعان:

 منها البسيط بحسب نظرنا، ومنها المركّب، فمثلاً: السبب تحريك السكّين، ونتيجته، القطع، وحتّى تتحقّق نتيجته المطلوبة؛ وهي القطع، هناك (شروط وموانع).

 من الشروط أن تكون السكّين مشحوذة حادّة بشكل جيد، وأن نضغط عليها، وأن يكون الجسم المقطوع ملاصقاً لها، وليس بعيداً، وأن يكون الجسم الذي نريد قطعه قابلاً للقطع، فلو حاولت قطع حديد صلب لن تستطيع، أو حجر قويّ لن تستطيع كذلك.

لعدم وجود الشروط أو لوجود موانع.

 هذه أسباب بسيطة، ومن أمثلة الأسباب البسيطة: شرب الماء والإرواء، والأكل والشِّبع، واستخدام القلم والكتابة.

وهناك نوع ثان، وهي أسباب معقّدة تخضع لعوامل وشروط كثيرة وتحتاج وقتاً كذلك حتّى تحقّق نتائجها المرجوّة مثل: الدواء سبب، والشفاء نتيجة، والاختلاط بالمريض سبب، وعدوى المرض نتيجة، ومثل الزواج سبب والإنجاب نتيجة، والدراسة سبب، والنجاح نتيجة، والعمل سبب، والرزق نتيجة، والبذر سبب، والإنبات وتحصيل الثمرة نتيجة، والأخذ بأسباب النهوض سبب، وتحقّق النهضة والحضارة نتيجة.

والخطأ الذي يحدث عادة أنّ الأسباب المركّبة؛ أي المتعدّدة التي نحتاجها للحصول على نتيجة واحدة، عندما لا نحقّق النتيجة يظنّ بعضهم أنّ ذلك يعني ألّا قيمة للأسباب، بل يكفيك التوكّل على مسبّب الأسباب ودعائه.

وهنا نخلط، فنظنّ أنّ علاقة السبب بالمسبّب البسيط، مثل علاقة الأسباب المركّبة بالمتداخلة، التي تحتاج هي أيضاً شروطاً مركّبة، وتحتاج كذلك امتناع الموانع، حتّى نحقّق أخيراً النتيجة الواحدة المرجوّة، وحتّى النتيجة تكون مركبّة كذلك.

التوكّل:

من الإشكالات في موضوع الأسباب قضيّة التوكّل: أين التوكّل وأين الأسباب؟

بدايةً التوكّل عمل قلبيّ يحمل العبدَ على التعلّق بالله تعالى، وليس عملاً سلوكيّاً يجعل صاحبه يقصّر بالأسباب.

ولو قصّرتَ بالأسباب وأخفقْتَ فلا تلومنّ إلا نفسَك (أوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

فإن قصيرك في الأخذ بالأسباب 100% وترتّب على فشلك تضييع للحقوق أو للواجبات، لا يبعُد أن تأثم.

فحقيقة التوكّل هو: الأخذ بالأسباب 100% كاملة، وعدم إهمال أدقّ التفاصيل، مع حُسْنِ التوجّه بالقلب إلى الله أن يكلِّل المساعي بالنجاح..

التخطيط:

فالواجب التخطيط مع الاعتماد على البحوث والدراسات والاستشارات، ومراعاة التجارب السابقة، أي الأخذ بالأسباب كلّها: 100 %.

قد يقول قائل: 100% ؟ وماذا تركت للتوكّل على الله؟

أقول: راجع عقيدتك، فأنت مشرك بالأسباب، وليس من يأخذ بها 100% ثمّ يتوكّل على الله، ويطلب منه التيسير والمعونة.

لأنّك تعتقد أنّ الأسباب مؤثّرة، وتعتقد أنّك لو أتقنتها فلا حاجة عندها للتوكّل على الله تعالى.

 ونحن نقول: مع أخذك بالأسباب كلّها: 200% يجب التوكّل على الله، حتّى ييسّر الله تمام هذه الأشياء، فقد يأتي سبب خارجيّ لم نحسب له حساباً فيبطلها ويفشها، فالله تعالى هو القهّار سبحانه وتعالى.

فعلينا ألا نترك شيئاً للمصادفة، لعلّها تحصل أو لا تحصل، فنحن كثيراً ما نغلّف تقصيرنا وكسلنا وتسيّبنا باسم التوكّل، بينما هو تواكل وليس توكّلاً.

ولنضرب مثالاً: -مضحكاً قليلاً- وهو طبخ الطعام:

لو طبخت طعاماً وأنقصت صنفاً من تركيبة الطعام، أو زدت في كميّة شيء، قد يفسد الطعام ولا ينجح، فالطبخة الناجحة تركيبة خاصّة في الكمّيّات والنوعيّات وطريقة الطهو، لو اختلّ فيها شيء لا ينجح الطعام، فلو أنّ زوجتك أفسدت لك الطبخة، وسألتها عن السبب؟ فقالت: توكّلت على الله، ولكنّ الطبخة لم تنجح.

لاكفهرّ وجهك، ولقلت لها: ما دخل التوكّل بالموضوع؟ أنتِ أبقيتِ قِدرَ الطعام على النّارِ طويلاً بعد نضجه. أو أكثرت الماء، أو: نوع الأرزّ غير جيّد... وهكذا تقوما بعمليّة مراجعات وتخمينات حتّى تصلا إلى السبب الكامن وراء فساد الطعام.

فنحن نراعي تفاصيل طريقة إنضاج طعامنا حتّى (ينجح) ثمّ نهمل التخطيط في حياتنا بهذه الدقّة لذلك نجد كثيراً من مناحي حياتنا (ليست ناجحة)!

السيرة والأسباب:

وقارئ سيرة النبيّ ﷺ يجد فيها التوكّل المذكور على حقيقته:

قال ابن الجوزيّ: "وقد ظاهر النبيّ ﷺ بين درعين في إحدى غزواته، وشاور طبيبين، ودخل مكّة في جوار المطعم بن عديّ يوم عاد من الطّائف، وكان يمكنه أن يدخل متوكّلاً على الله بلا سبب!"

إخواني: قصّة أهمّ حدث في حياة الرسول ﷺ الذي أرّخنا تاريخنا الإسلاميّ به، وهو الهجرة وحوادثها، أخذ بالأسباب 100% فاختار صاحباً وهاجر ليلاً سراً، وترك رجلاً يبيت في سريره، وأوصى امرأة أن تؤمّن لهم الطعام، ورجلاً ينقل لهم الأخبار، ودلالاً خبيراً للطريق، وراعياً يمشي خلفهم بالماشية حتى يمحو أثر مسيرهم، وسلكوا طريقاً مخالفاً للمعتاد، واختبأوا بالغار، فلم يترك ﷺ سبباً يمكن أخذه إلا وأخذه ثم قال لصاحبه وقبله مطمئن متوكل واثق بالله: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

من أسباب التخلف:

إخواني: هذه القضيّة؛ أقصد (إضعاف أهميّة الأخذ بالأسباب كلّها) في عقول عامّة المسلمين، عامل كبير من عوامل تخلّف النهضة، وتكريس التخلّف، طبعاً هي (ليست سبب التخلف الوحيد، لكنّها من الأسباب الأساسيّة) فسلب تأثير الأسباب في مسبّباتها، والمبالغة بتأكيد ذلك، وكثرة التنقير والتنقيب والتدقيق والتشقيق بهذه التلازميّة بين الأسباب والمسبّبات جعلت التأثير (ظنّيّاً)، بل أبطلته في كثير من أدبيّات وقصص وأمثال الزهد والتقشّف، وقد رسا هذا في وعي الأمّة في زمن انحطاطها، وما زال، وعمل عمله في تفاصيل حياة المسلمين..

فظهر ذلك بمفهوم التوكّل الذي تحوّل إلى تواكل، فالأسباب لا تأثير لها، فظهرت عبارات مثل: اترك الأسباب وتوكّل على مسبّب الأسباب.. ومن الأدعية: اللهمّ دمّر الكافرين بالكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين. أضف إلى (التنوير في إسقاط التدبير)، وترك التخطيط، وإهمال طلب العلم تشوّفاً وانتظاراً للعلم الوهبي أو اللدنّيّ.

ومن كمال التوكّل واليقين -في هذا السياق- ترك التداوي، وعدم الأخذ بالأسباب الماديّة للنصر، فأصبح صحيح البخاريّ (الشريف) يُقرأُ بنيّة فكّ الحصار، وردّ العدوان، وتُقرأ سورة سورة ياسين على نيّة كذا وكذا، وذكر: "يا لطيف" ألف مرّة على نيّة كذا.. والقائمة طويلة..

لقد جرّبت الأمم المتقدّمة الالتزام بالسنن الربّانيّة، وسارت عليها، فامتلكت ناصية العلم والقوّة والإدارة الناجحة لمواردهم وإمكاناتهم، وجرّبتها اليابان والصين، وها هما تنافسان الغرب في ذلك، برغم اختلاف دينهم وثقافاتهم.

ونحن المسلمين أولى أن نحترم قانون الله في الخلق، والسنن التي سنّها وخلقها وسخّر لنا من خلالها السموات والأرض، وإذ لم نفعلها فقد التزم بها غيرنا فتفوّقوا علينا، فهذه السنن لا تنحاز ولا تحابي؛ قال تعالى: «ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يُجز به»، وقال سبحانه: «فلن تجد لسنّة الله تبديلاً ولن تجد لسنّة الله تحويلاً».

 




مشاركة