رؤيّة جديدة في التجديد والاجتهاد - أ. عبّاس شريفة


الخميس ٠٧ / أيّار / ٢٠٢٠ - عدد الزيارات : 844



يكفي المسلمين فخراً أنّ لديهم من المنطلقات النظريّة وإرشادات الوحي ما يجعل من العلماء والباحثين في كلّ شؤون الدين والدنيا في مهمّة تعبّد لله تعالى، فيما يكتشفونه من أجرام سماويّة، وأسرار في النفس البشريّة والخلق، ولو أردنا الإحصاء لوقعنا على عشرات النصوص القرآنيّة التي تدعو صراحة لإمعان النظر والسعي في البحث والاكتشاف لنواميس الخلق وأسرار الكون، والتي هي مفاتيح التسخير الإلهيّ لهذا الكون في خدمة الإنسان، إذ لا يمكن للإنسان أن يحظى بنعمة تسخير الموجودات إلا من خلال فكّ شفرتها واكتشاف طريقة عملها وكيفيّة الاستفادة منها.

لكن مع هذا التوجيه القرآنيّ، والأمر الربّانيّ للسير في الأرض وإعمال العقل في اكتشاف الخلق لتحقيق غاية التعرّف على الخالق الصانع من خلال مصنوعاته، التي تفضي إلى الإيمان، وتحقيق غاية الانتفاع بالنعمة، التي تفضي بالعبد إلى الشكر، فالمسلمون بحاجة لتصويب بعض المفاهيم المركزيّة في الفكر الإسلاميّ. ومن هذه المفاهيم مفهوم (الاجتهاد والتجدّد) التي تحتاج إلى توسيع أشمل للمجتهدين والمجدّدين والخروج بها من الاختزال والتسطيح المخلّ. فقد دأب الكثيرون على حصر مفهوم الاجتهاد التعبّديّ على الاجتهاد الذي يقوم به الفقيه لاستنباط حكم من النصّ في الأحكام التكليفيّة، كما عدّد السيوطيّ عدداً من المجدّدين كلّهم من الفقهاء الشافعيّة، وأرى أنّ الاجتهاد يتّسع معناه ليشمل المجتهدين في علوم الدنيا؛ من الطبّ والهندسة والفيزياء والكيماء وعلوم الأحياء، طالما أنّه اجتهاد يتعبّد به صاحبه ربّه، ويعود بالنفع فيه لأمّته... وكذلك مفهوم التجديد، فبما أنّ الإسلام في طبيعته المركّبة دين دنيا ودين آخرة، يختصّ بالملك والملكوت، يختصّ بعالم الغيب وبعالم الشهادة، فما الذي يمنع من اعتبار علماء الفيزياء والكيمياء والأحياء والعلوم السياسيّة والاجتماعيّة والفلسفيّة... كابن خلدون وابن الهيثم والرازيّ وابن حيان مثلاً ومن تبعهم إلى اليوم من علماء المسلمين الماديّين من المجدّدين المعتبرين لدين هذه الأمّة؟. إنّ شموليّة الإسلام تقتضي ممّن ينافي العلمانيّة فكراً ويؤيّدها ممارسة، ألّا يقع في اختزال مفاهيم شاملة في معاني ضيّقة، وربّما يعود السبب إلى أنّ من تولى تفسير أحاديث التجديد والاجتهاد هم من الفقهاء المتخصّصين بالعلوم الشرعيّة فأثّر الاختصاص على شمول الرؤية. ولا يتصوّر أنّ سيّدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي أمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يجتهد في مسألة تكليفيّة، أن يكون له أجر في الخطأ وأجران في الصواب، في حين أنّ سيّدنا سلمان الفارسيّ الذي اجتهد في أمر الخندق يوم غزوة الأحزاب محروم من الأجر، لأنّ المسألة ليست استنباطاً من النصّ لحكم فقهيّ! وكذلك الأمر بالنسبة إلى سيّدنا الحباب بن المنذر رضي الله عنه الذي اجتهد في إحكام الخطّة العسكريّة يوم غزوة بدر، وألغى خطّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فلا يتصوّر أنّ عمله العقليّ هذا لا يدخل ضمن الاجتهاد المأجور. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التجديد، فلا اختلاف أنّ في الدين مقاصد ثابتة، وهناك وسائل متغيّرة، وأنّ التجديد في وسائل تمكين الدين لا تختلف عن التجديد في إعادة فهم ثوابت الدين وتفعيلها، عندما يصيبها الغبش والتحريف والبدع. والمسلمون اليوم يعيشون في عالم الوسائل عالة على غيرهم من الأمم، لعدم احتضان المجدّدين في مجال الوسائل، فإن كان من أولى مهامّ الإمامة العظمى حراسة الدين والدنيا، فإنّ لحراسة الدين معنى المرابطة على الثغور العلميّة والدعويّة، وكذلك المرابطة على ثغور اكتشاف الوسائل التي تدخل في المفهوم العام لمعنى " وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة " والقوّة هنا نكرة في سياق العموم، وهي تفيد أنواع القوة العلميّة والعسكريّة والبشريّة كلّها.

 





مشاركة